كثيرًا ما نقرأ مقالات تربوية تبدأ بجملة واثقة، من قبيل: " ينطلق هذا النص من تجربة ميدانية حيّة" أو "تستند هذه المقالة على تجربة واقعية" لكننا ما أن نمضي في القراءة حتى نكتشف أننا لا نعيش أية تجربة. نقرأ شرحًا عنها، خطابًا منضبطًا، لغة تربوية مألوفة، لكننا لا ندخل الصف، ولا نسمع صوت طالب، ولا نشهد لحظة ارتباك أو قرار صعب. التجربة هنا حاضرة بالكلمات، غائبة بالفعل.
تخبرنا مقالة مثلا بأنَّ الصف متنوّع ثقافيًا ولغويًا، وأن المنهج صارم ومعقد، وأن المعلم يحاول الموازنة بين المتطلبات والاحتياجات، وأن التعليم الشامل قيمة أساسية. لكننا لا نرى هذا التنوع يتجسّد، ولا نسمع تعثّرًا لغويًا واحدًا، ولا نشهد لحظة صمت مفاجئ أو سوء فهم أربك الجميع. ولا نشهدُ مثالا على تفكير نقدي أو تصور استقصائي ولدته أسئلة سابرة؛ يُعرَض حديث عام ومجرد عن استراتيجيات جاهزة: خرائط ذهنية، مقارنات، تنويع أدوار، لغات صفية متعددة، نهوج درامية ، مشروعات استقصائية، … لكن بلا زمن، بلا وجوه، بلا سياق إنساني. متى استُخدمت؟ مع من؟ ماذا حدث حين لم تنجح؟ من قاومها؟ من صمت؟ من غادر النقاش؟ كيف نمت؟ كيف تطورت؟ كيف غيّرتْ وتغيرت؟ ما الذي يمكن أن يحدث الآن؟
المفارقة أن اللغة، التي يُفترض فيها أن تنقل التجربة، تتحوّل إلى حاجز يحجبها. الكلمات تفشل حين نُطالبها بالشرح المباشر، لكنها تنجح حين نتركها تبني تجربة. فالتجربة التربوية الحقيقية ليست وصفة ناجحة ولا قائمة إنجازات، بل هي مسار مليء بالمنظورات المختلفة والتفاعلات المتنوعة، مسارٌ حافل بالشك، بالفشل المؤقت، والنجاحات التي في طور الولادة، بالتردد، وبالأسئلة التي لا تملك إجابات جاهزة.
كثير من هذه المقالات مكتوب بنية صادقة، بلغة متقنة، ومنسجمة مع خطاب تربوي معاصر. لكنها لا تُخاطر. لا تكشف هشاشة الممارسة أو متانتها، ولا تسمح للقارئ بأن يكون شاهدًا أو شريكًا. تبقى خارج الصف، تراقبه من مسافة آمنة.
التجربة لا تُقنع لأنها “صحيحة”، بل لأنها مُعاشة. ولا تُعلّم لأنها تُشرح، بل لأنها تضعنا داخل الموقف، وتجعلنا نشعر بثقله وتعقيده. وحين تُشرح التجربة ولا تُعاش، تفقد الكلمات قدرتها، ويبقى المعنى معلقًا خارج النص.
هذا الفهم ليس مسألة أسلوب كتابي فقط، بل هو موقف معرفي أعمق. فكما يرى فيجوتسكي، لا يُنقل المعنى جاهزًا بالكلمات، بل يتكوّن داخل النشاط والتجربة المشتركة، ولهذا فإن سرد تجربة يحتاج أيضًا إلى استلهام هذا التكون الحي. وكما يذكّرنا باختين، فإن الحقيقة لا تولد من صوت واحد منسجم، بل من تعدّد الأصوات والتوتر بينها. أما أورسولا ك. لو غوين فتختصر الأمر ببلاغة حين تقول إن الروائي “يقول بالكلمات ما لا يمكن قوله بالكلمات”.، فالمعنى العميق لا يُنقل بالشرح، بل يُبنى عبر وضع سردي يجعل القارئ يعيش الفكرة بدل أن يتلقّاها، هنا تُروى قصة التجربة، بأمثلتها وصورها وأسئلتها وتحدياتها وحواراتها، بمعنى آخر بأنفاسها ونبضها وعلاقاتها... حينها يمكنُ أنْ نعيشها مع راويها.
من هنا، تصبح الدعوة إلى الكتابة من داخل التجربة دعوة أخلاقية أيضًا: أن نترك للكلمات أن تعمل لا كأدوات شرح، بل كمساحات يعيش فيها المعنى. أن نكتب التعليم كما يُعاش، لا كما يُقدَّم في التقارير. حينها فقط، تصبح اللغة جسرًا حقيقيًا بين التجربة والقارئ، لا شاشة تحجبها.
- الصورة/ مع طلاب الصف الخامس - مدرسة الرجاء الإنجيلية (في ضيافة الأستاذ الشاعر أنس أبو رحمة)