من "قنديل" كنفاني إلى "فوانيس" الأطفال
تجربة في التعبير
فيديو قصير جدًا قبل الشروع في القراءة:
https://www.facebook.com/reel/1049285480693796
تقديم
كنتُ قد حوّلتُ قصة «القنديل الصغير» لغسان كنفاني قبل سنوات إلى غنائية مسرحية راقصة أدّاها عشرات الأطفال من خلال معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى، ومسرح عشتار بنص وأغانٍ وحوارات غنائية كتبتُها، وبموسيقى ألّفها سهيل خوري.
عندما شاهدت سلام البندك وهي تعمل مع الأطفال على إنتاج فوانيس قماشية، عاد إليّ ملصق ذلك العرض بوصفه أثرًا حيًا، فأحضرته، وكان منه مدخل الورشة.
1) الملصق بوصفه عتبة تعلّم
تحلّقنا حول الملصق الضخم. نظرنا إلى الأطفال المرسومين وهم يمثلون، إلى الفتى الذي يحتل مساحة واسعة من الصورة، وقرأنا الأسماء: غسان كنفاني كاتب القصة، كاتب السيناريو والأغاني، واسم الملحّن.
لم يكن الهدف شرح الأسماء أو تأريخها، بل إدخال الأطفال في علاقة مباشرة مع أثر ثقافي حقيقي، حيث الصورة، الاسم، والكتابة تُعامل بوصفها جزءًا من العالم لا مادة مدرسية.
هنا يبدأ التعلّم من النظر، ومن الكلام الحر حول ما يُرى، لا مما يُشرح وربط القنديل الذي يحمله الفتى في الملصق مع الفوانيس التي صنعها الأطفال.
من الملصق انتقلنا إلى رواية قصة «القنديل الصغير».
القصة لم تُقدَّم بوصفها نصًا يُفهم أو يُستخلص منه مغزى، بل كحدث شفهي نتشاركه في الزمن. التعليقات، الأسئلة، والانقطاعات لم تُقمع، لأنها جزء من بناء المعنى، لا تشويش عليه.
بهذا المعنى، كانت القصة فضاءً مفتوحًا، لا بنية مغلقة.
اخترنا من القصة عنصرًا واحدًا: فوانيس أهل المملكة.
لم نحلّل القصة، بل أقمنا عند هذا التفصيل، وتحدّثنا عمّا يعنيه أن يحمل الناس الضوء، أن يبحثوا، أن ينتظروا.
هذا التوقّف عند جزء دون استعجال الكلّ هو تدريب على قراءة عميقة بلا مصطلحات.
4) من قناديل القصة إلى فوانيسنا
بعد ذلك، أحضر الأطفال الفوانيس القماشية التي صنعوها. عرض كل طفل فانوسه، وتحدّث عنه.
هنا حدث العبور الحاسم: لم نعد في القصة فقط، ولم نغادرها. قناديل النص التقت بفوانيس الأطفال، والخيال التقى بالأثر المصنوع باليد.
التعلّم هنا شخصي، لكنه لا ينعزل؛ كل فانوس يصبح قصة تُروى داخل الجماعة.
من هذه الفوانيس اقترح الأطفال بناء مشهد: رجل يحمل فانوسًا ويبحث عن غرض في كهف.
لم تُفرض حبكة، ولم يُسأل عن المنطق. الدراما ظهرت بوصفها طريقة جماعية للتفكير، حيث يُبنى العالم خطوة خطوة من اقتراحات الأطفال أنفسهم.
نُفّذ المشهد جماعيًا.
الجسد دخل في التفكير، والفانوس تحوّل من غرض إلى رمز فعّال: ضوء، نية، بحث.
الارتجال، النقص، وعدم الاكتمال لم تُعتبر أخطاء، بل دلائل على أن المعنى ما زال حيًا.
بعد المشهد، تحدّث كل طفل عمّا كان يبحث عنه الرجل.
قلم، عقد، صورة… تعدّدت الأغراض وتعدّدت الدوافع.
هنا جاء كلام ياسمين (4 سنوات)، حين فسّرت البحث بوصفه رغبة في العطاء. بدأتُ الفيلم بهذه اللحظة تحديدًا، لا لأنها “الخلاصة”، بل لأنها تُظهر التفكير وهو يتشكّل بالكلام، ولأن الإصغاء لارتجال طفلة هو موقف جمالي وتربوي في آن.
8) الرسم كتثبيت دون إغلاق
أخيرًا، رسم الأطفال الأغراض التي تخيّلوها، ثم عرضوا رسوماتهم على المجموعة.
لم يكن الرسم نشاطًا لاحقًا، بل تحويلًا للمعنى من الزمن إلى الأثر، ومن المشهد العابر إلى شيء يمكن النظر إليه ومشاركته.
العرض لم يكن تقييمًا، بل امتدادًا للحوار بوسائط أخرى.
⸻
* تعقيب (سلام البندك/فن وسلام) :
كانت التجربة غنية لأنها منحت روحًا لمشروع تصميم وبناء وتلوين. مشروع اشتغل عليه الأطفال على مدى أربعة أيام، عاشوا خلاله كل خطواته: العمل، التركيب، الانتظار، الصبر.
في كل مرحلة شاهدوا كيف تتحوّل المواد، كيف تتركّب معًا، وكيف يتغيّر شكلها عندما تجف، ثم كيف تدخل عليها الألوان وتنبض بالحياة.
هذا العمل لم يكن تقنيًا فقط، بل احتفالًا جماعيًا. وعندما رُبط بالفكرة الدرامية – الرجل، الكهف، البحث – انتقل من كونه منتجًا إلى مغامرة تخيّلية.
وحتى بعد الورشة، حين دخلت الفوانيس بيوت الأطفال، وتحوّلت إلى ضوء قرب السرير، استمرّت التجربة: في الحلم، في التساؤل، وفي العلاقة اليومية مع ما صنعوه بأيديهم.
ما حدث في هذه التجربة يتقاطع بوضوح مع:
• دوروثي هيثكوت، حيث تُوظف الدراما كسياق للتفكير الأخلاقي والتخيّلي، لا كأداء أو عرض.
• ليف فيجوتسكي، حيث يتشكّل المعنى اجتماعيًا عبر اللغة، ثم ينتقل من الكلام إلى الفعل، ومن الفعل إلى الأثر.
• ميخائيل باختين، حيث لا يصدر المعنى عن صوت واحد، بل عن تعدّد أصوات تتجاور دون أن يُلغى أحدها.
هذه المرجعيات لم تُطبَّق، بل ظهرت من داخل الممارسة.
بهذا المعنى، لم يكن التعلّم نتيجة نشاط متسلسل، بل حدثًا حيًا تشكّل عند تقاطع الأثر الثقافي، القصة، الدراما، الحوار، والرسم، داخل جماعة أتيح لها أن تفكّر، وتتخيّل، وتختلف.