يُعَدُّ الرَّسمُ الشكل الأساسي للنشاط الإبداعي في مرحلة الطفولة المبكرة.  "عندما يكبر الطفلُ ويدخل في مرحلة طفولة لاحقة، يبدأ الشُّعور بخيبة الأمل وعدم الاهتمام بالرَّسم بالتسلل إليه".  يُرجِعُ ه. لوكنز (H. Lukens)، الذي نشر بحثاً عن رسومات الأطفال، عدم الاهتمام هذا إلى الفترة بين سن العاشرة والخامسة عشرة.  ففي رأيه، يزداد الاهتمام بالرسم مرة أخرى، بعد هذه الفترة، أي بين سن الخامسة عشرة والعشرين.  إلا أن هذه الزيادة الجديدة في المساعي الفنية تَظهر فقط عند الأطفال ذوي الموهبة الفنية الخاصة.  عندما يبدأ الفُتور الأولي، يتركُ معظمُ الأطفالِ الرسمَ للأبد، ولا تختلف رُسوماتُ البالغ الذي لا يرسم بانتظام كثيراً عن رسومات طفلٍ في الثامنة أو التاسعة استكمل للتو المرحلة التي يحب الأطفالُ فيها أن يمارسوا الرسم.  تشير هذه البيانات إلى انخفاض معدل الرسم خلال فترة المراهقة، وأنَّ الأطفالَ يهملونه عادة.  أثبت بارنز (Barnes)، الدارس لأكثر من 15,000 رسمٍ، أنَّ نقطة التحول هذه تحدث في سن الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة.

 

يقول بارنز: "يمكن إثباتُ أنَّ الفتيات في سن الثالثة عشرة والصبيان في سن الرابعة عشرة يصبحون أقلَّ جرأة في التعبير، وإنَّ جميع من يرفض الرسم من الأطفال بالمُطلق هم أكبر من سن الثالثة عشرة.  يُظهِرُ بحثٌ آخَر في هذا المجال أيضاً أنَّ الأطفالَ يمرُّون بتغيراتٍ في مُثُلِهِم في سن الثالثة عشرة؛ أي في فترة البلوغ".

 

يُخفي الفُتورُ نحو الرَّسم، ذاك الذي يشعر به الأطفال، تحوُّلاً في القدرة عليه ترتفع به إلى مرحلة تطويرٍ جديدة وعالية، يستطيع الأطفالُ الوُصولَ إليها فقط إذا تعرَّضوا إلى مُحفِّزٍ خارجي ملائم، مثل التعليم بالرسم في المدرسة أو نماذج الأدوار الفنية في المنزل، أو إذا كانت لديهم مواهب خاصة لهذا النمط من الإبداع.  ومن أجل فهم نقطة التحول هذه التي تتعلق بالرَّسم خلال فترة المراهقة، لا بدَّ أن نصف بإيجاز مراحل التطوير الأساسية لرسم الأطفال.  يُقسِّمُ جورج كرشنشتاينر (Georg Kerschensteiner)، الذي أجرى دراسات منهجية على رُسومات الأطفال، العمليةَ بأكملها إلى أربع مراحل.

 

إذا تجاهلنا مرحلة الخربشة، والعلامات العشوائية، والتصوير الخالي من الشكل لبعض العناصر، وبدأنا فوراً من المرحلة التي يبدأ فيها الطفلُ الرَّسمَ بالمعنى الحقيقي للكلمة، فسنجد أن الطفلَ موجود في المراحل الأولى أو في ما تسمى مرحلة المخطّط.  يتضمنُ رسمُ شكل/ جسم الإنسان، في هذه المرحلة، عموماً، رسمَ الرأس، والساقين، والذراعين والجذع في كثيرٍ من الأحيان.  تقتصر رسومات البشر على هذه العناصر.  إنها الرُّسومات التي تُعرَفُ باسم الرؤوس ذوات الساقين، بمعنى أنها كائنات تخطيطية تلك التي يرسمها الطفلُ بدلاً من الجسم البشري.  سأل ك. ريتشي (K. Ricci)، الدارس لرسومات الأطفال، ذات مرة طفلاً بينما كان يرسم رأساً بساقين: "ما هذا؟ أكلُّ ما لديه رأسٌ وساقان"؟ فأجاب الطفلُ "حسناً بالطبع، هذا كافٍ ليتمكن من الرؤية والمشي".

 

الميزة الأساسية لهذه المرحلة هي حقيقةُ أنَّ الطفلَ يرسم من الذاكرة وليس من الطبيعة.  صادف أن لاحظ أحدُ علماءِ النفس، عندما طلب من طفلٍ رسمَ والدته التي كانت تجلس أمامه، أنه لم يرفع عينيه مرة ليُشاهد والدته.  ومع ذلك، ليست الملاحظة وحدها، لكن تحليلَ رسمٍ كهذا، يكشف بسهولة كبيرة أنَّ الطفلَ يرسم من ذاكرته.  إنه يرسم ما يعرفه عن الأشياء، لا ما يراه أو كيف يتخيل الأشياء بعد ذلك.  فعندما يرسم طفلٌ حصاناً وراكبه في وضعٍ جانبي، فإنه يتخيل في كثيرٍ من الأحيان ساقَيْ هذا الراكب، مع أنّ مَنْ يُشاهده من جانبه يرى ساقاً واحدة فقط.  كما أنه عندما يرسم رَجُلاً في وضعه الجانبي فإنه يضع كلتا عينيه في الصورة.

 

ويقول بوهلر (Buhler): "إذا أراد طفلٌ أن يرسم رجلاً بملابسه، فإنه يتابع الرسم كما لو أنه يُلْبِسُ دميةً ثيابَها: يرسم في البداية شخصاً عارياً، ومن ثم يُعلِّقُ الملابس عليه، حتى يتألق الجسد كله، لدرجة أنْ يصبح بإمكانك رؤية محفظته في جيبه والقطع النقدية فيها أيضاً".

 

إنَّ ما ينتج هُنا يسمى بشكل مبرَّر رُسومات الأشعة السينية.  تُصوِّرُ الأشكالُ 6 و7 [راجع الملحق] مثلَ هذه الرُّسومات.  عندما يرسم الطفلُ شخصاً بملابسه، فإنه يرسم ساقيه تحتها، مع أنه لا يراهما.  ثمة دليل آخر جليٌّ يثبت حقيقة أنَّ الطفلَ في هذه المرحلة يرسم من ذاكرته يتمثل في عدم التطابق/ التماثل الخارجي والافتقار إلى المُحاكاة في رسومات الأطفال.  إن جزءاً كبيراً من جسم الإنسان كالجذع، كثيراً ما يغيبُ بصورة تامة، بحيث تمتدُّ الساقان (وأحياناً الذراعان) من الرأس، وتتصل أجزاء الجسد بطريقة مختلفة تماماً عمّا يلاحظه الطفلُ عندما يُعاين جسد شخص آخر.  تشير الرسومات في الملحق إلى تصوير تخطيطي للشخص يبين بوضوح ما ينطوي عليه الرسم التخطيطي.  إن لدى ج. سولي (J. Sully) ما يبرر قوله تماماً عندما يتحدث عن هذه المرحلة:

إنها لَحماقةٌ أن نفترض أنَّ طفلاً في سن الثالثة أو الرابعة يمتلك تصوُّراً داخليّاً لوجه الإنسان ليس بأفضل من الوجه الذي رسمه.  وإذا ما انفتح بابُ الشك، فمن الصحيح أنَّ رسمه لشخص ما، بلا شَعرٍ، أو أذنين، أو جذع، أو ذراعين، يتأخرُ كثيراً عن معرفته.  كيف إذاً يمكن تفسير الأمر؟ سأوضحه بالإشارة إلى حقيقة أنَّ الفنان الصغير يُعَدُّ رمزيّاً أكثر من كونه طبيعيّاً.  فهو لا يقلق فيما يتعلق بالتطابق/ التماثل التام والدقيق، ويتوق فقط إلى أكثر المؤشرات سطحية.

 

من الواضح، بطبيعة الحال، أنَّ هذا الفقر في التفاصيل الناشئ عن الافتقار لأيِّ هدفٍ فني جاد، هو أيضاً ناتجٌ عن قيودٍ تقنية.  يتوافق وجه دائري بخطين أساسيين مع ما يمكن أن يرسمه الطفلُ بسهولة ويُسر.  إن لبوهلر ما يبرر ذلك عندما يقول إنَّ مخطط الطفل مناسبٌ تماماً لأن المخطط/ الرسم البياني، تماماً كالمفاهيم، يحتوي فقط على السمات الأساسية والثابتة للكائن.  عندما يرسم الطفلُ، فإنه يضع في رسوماته ما يعرفه عن الموضوع وليس ما يراه.  لهذا السبب، كثيراً ما يرسم شيئاً إضافيّاً لا يراه فعليّاً، كما أن رسمه يُسقِطُ الكثير مما يراه بالتأكيد، لكن ذلك غير جوهري، في رأيه، للكائن الذي يُصوِّرُهُ.  توصَّل علماءُ النفس إلى استنتاج مفاده أنَّ رسومات الطفل في هذه المرحلة تمثل قائمةً من نوعٍ ما، أو، بعبارة أدق، سردَ الطفل التخطيطي حول الكائن/ الشيء الذي يُصوِّره.

 

يقول بوهلر: "عندما تطلب من طفل في سن السابعة أن يصف حصاناً، ما تحصل عليه هو في الأصل القائمة المماثلة لأجزاء الجسم التي تحصل عليها عندما يرسم حصاناً: للحصان رأس واحدة وذيل واحد، ساقان أماميتان، وأخريان خلفيتان، وهكذا.  لهذا يُمكن فهمُ الرسم من الذاكرة بوصفه سرداً تخطيطيّاً".

 

وبالفعل، يمكن للمرء أن يفسر هذه النقاط لنفسه على النحو الآتي: بينما يرسم الطفلُ، يفكر أيضاً في الكائن/ الشيء الذي يصوره، كأنه يصفه لنفسه.  فلا يتقيد، في وصفه اللفظي، بالاستمرار الزماني أو المكاني، وهكذا، يصير في وسعه، ضمن الحدود، أن يضع يده على بعض الأجزاء أو يُلغيها.  فعلى سبيل المثال، للقزم رأس كبيرة وساقان قصيرتان جدّاً، أصابعه بيضاء كالثلج، وأنفه أحمر.  إذا ما وُجِّهَتْ يدُ الفنان الصغير بسذاجة، أو لنقل بدقة أكبر، دون تمحيص بعيداً عن هذا الوصف البسيط المعتمد على النقيض، فستمتدُّ الساقان القصيرتان بسهولة من الرأس الكبيرة، وستلتصق الذراعان في المكان نفسه تقريباً، وربما سينتهي المطافُ بالأنف في منتصف الرأس الدائرية.  وهذا بالضبط ما يمكنك أن تراه فعلاً في رُسوماتٍ كثيرةٍ أُنْتِجَتْ في مرحلة الطفولة المبكرة.

 

يُطلَقُ على المرحلة التالية اسم مرحلة تطوير الشكل والخط.  لا يُطوِّرُ الطفلُ بصورة تدريجية الحاجة لتحديد المزايا المحددة للكائن/ الشيء الموصوف فقط، ولكنه يصوِّرُ العلاقات الشكلية بين الأجزاء أيضاً.  في المرحلة الثانية من تطوير رسومات الأطفال نرى خليطاً من تصويرٍ تخطيطي ورسمي.  فتكون الرسومات تخطيطية، لكنها تحتوي على بداية التمثيل الحقيقي والصورة المُشابهة للواقع.  لا يمكن فصلُ هذه المرحلة، بالطبع، عن سابقتها بصورة حادة، ومع ذلك، فإنها تتميز بالتفاصيل الكثيرة، وبوضع أكثر واقعية لأجزاء الكائن/ الشيء، فلا تعود إسقاطات صارخة كالجذع مُلاحظة، وتبدأ عملية الرسم كاملة بالاقتراب من المظهر الفعلي للكائن/ الشيء.

 

أما المرحلة الثالثة، وفقاً لكرشنشتاينر، فهي مرحلة التصوير الواقعي، حيث التخطيط يختفي تماماً من رُسومات الأطفال.  ويكون للرسمِ شكلُ صورةٍ مظللة أو contour، ولا يقدّم الطفلُ منظوراً أو طبيعة ثلاثية الأبعاد للكائن/ الشيء.  يبقى الكائن ثنائي الأبعاد، لكن الطفل يقدم بصورة عامة صورة عنه كشيء نابض بالحياة، وواقعي، وشبيهٍ بالأصل.  يقول كرشنشتاينر: "يتجاوزُ عدد قليل نسبيّاً من الأطفالِ المرحلة الثالثة وحدهم من دون مساعدة التعليمات.  نصادف هذا الأمرَ قبل سن العاشرة في حالات استثنائية جدّاً فقط.  بدءاً من سن الحادية عشرة، يصبح من الممكن تحديدُ نسبةٍ معينة من الأطفال الذين يمتلكون موهبة التصوير ثلاثي الأبعاد للكائن/ الشيء".

 

في المرحلة الرابعة من التصوير ثلاثي الأبعاد، تُرسَمُ أجزاء الكائن الفردية بطريقة محدبة من خلال استخدام الضوء والخيال، فتتبين معالم المنظور، كما يُشار إلى الحركة بوصفها انطباعاً ثلاثي الأبعاد ينتج عن الكائن/ الشيء.

 

ولتوضيح الفرق بين هذه المراحل الأربع والتطور التدريجي لرُسومات الأطفال، سنورد عدداً من الأمثلة.  سنصف أربعة رسومات متتابعة لعربة نقل.  الرسم الأول [في الملحق، الشكل 8] تخطيطي خالص: ثمة في الرسم دوائر غير منتظمة تمثل النوافذ وخطّان ممتدّان يمثلان العربة.  إنه الرسم الكامل لطفلٍ راغب في تصوير عربة نقل.  الرسم التالي [في الملحق، الشكل 9] هو أيضاً تخطيطي خالص، باستثناء أن النوافذ موضوعة على طول جانبي العربة، وبذلك فإن الرسم يقدم بدقة أكبر العلاقة الشكلية بين الأجزاء.  يقدم الرسم الثالث [في الملحق، الشكل 10] تصوُّراً تخطيطيّاً للعربة مع سردٍ تفصيلي لمختلف الجوانب والأجزاء؛ ثمة بشر، ومقاعد، وعجلات/ دواليب، ولكن يبقى التمثيل/الرسم التخطيطي قائماً.  وأخيراً، في الرسم الرابع [في الملحق، الشكل 11]، الذي قام به طفلٌ في سن الثالثة عشرة، يبرز أمامنا تمثيل ثلاثي الأبعاد لعربة النقل، يُظهِرُ منظوراً ويصور الشكل الفعلي للعربة.

 

تتجلى ملامحُ تطورِ المراحل الأربع لرسومات الأطفال بصورة أوضح في الأمثلة التي تمثل رسوماً لشخص أو حيوان، وهُما موضوعا الرسم المفضلان عند الأطفال [الملحق، الأشكال 1- 6].  نرى في الرسومات الأُولى تمثيلاتٍ تخطيطيةً خالصةً لشخص، غالباً ما تقتصر على جزأين أو ثلاثة أجزاء من الجسم.  تُغني بعضُ التفاصيلِ هذه المخططات بصورة تدريجية، لنرى رسماً بالأشعة السينية يُظهر مجموعة كاملة من التفاصيل.

 

نجد في رسومات المرحلة الثانية، مرة أخرى، صوراً تخطيطية بالأشعة السينية، كما نرى بوضوح، على سبيل المثال، في صورة لصبي في العاشرة، رسم فيها والده في زيِّ جامع التذاكر، [في الملحق، الشكل 7].  نرى جذعه وساقيه عبر ثيابه، وثمة رقم على قبعته، وصفَّان من الأزرار على سترته.  ومع ذلك، وعلى الرغم من غنى التفاصيل، تبقى الصورة في المرحلة الأولى مجرد مخطط.  في المرحلة الثانية من مزج التمثيلين التخطيطي والشكلي، نرى محاولة لتقديم صورة أكثر واقعية للكائن/ الشيء.  نرى مخططاً يحوي شكلاً فعليّاً.  هُنا، مثلاً، صورةٌ رسمها طفلٌ في العاشرة؛ رسمٌ لأبيه وأمه [في الملحق، الشكل 15].  من السهل جدّاً إيجادُ آثار للتصوير التخطيطي في هذا الرسم، إلا أنَّ الصورة الصحيحة شكليّاً هي السائدة.  وأخيراً، يقدم الرسم في المرحلة الثالثة خطوطاً عريضة تمثل بصورة واقعية الشكل الفعلي للكائن/ الشيء.  وعلى الرغم من بعض الأخطاء، كالإخلال بنسب الحجم والتوازن، أصبح الطفلُ واقعيّاً؛ يرسم ما يراه، ويقدم الوضع والحركة، ويأخذ وجهة نظر المُشاهِد بعين الاعتبار.  لا يوجد أيُّ تخطيطٍ يُذكَر في صورته.

 

أخيراً، تمثل المرحلة الرابعة تصويراً ثلاثي الأبعاد، بتقديم شكلٍ ثلاثي الأبعاد للكائن/ الشيء المُراد رسمه.  مثالٌ على ذلك رسمُ صبي نائم [في الملحق، الشكل 18].  قام بهذا الرسم طفل في سن الثالثة عشرة.

 

يمكن معاينة المراحل الأربع ذاتها في رسومات الحيوانات، وهذا يدلُّ بصورة مقنعة على أن الفارق في التمثيل/ التصوير لا ينتج من محتوى موضوع الرسم وطبيعته، ولكنه بدلاً من ذلك يتصل بتطور الطفل نفسه.

 

تمثل الصورة الأولى [الملحق، الشكل19] حصاناً بوجه إنسان، بدلاً من الرأس المناسب.  يرسم الأطفالُ، في المرحلة الأولى، كلَّ الحيوانات بالطريقة نفسها، فلا يختلف مخطط رسم القط عن الكلب أو الدجاجة.  قدَّم الطفلُ هُنا، بدأب وتخطيط، الجذعَ والرأسَ والأقدام.  في صورتنا هذه، للرأس هيئة إنسان بكل تأكيد، مع أن الرسم لحصان.  يقدم الطفلُ في المرحلة الثانية مخططاً لحصان ويمزجه بملامح معينة تتطابق مع المظهر أو الشكل الفعلي للحصان، مثل الشكل الشائع للرأس والرقبة.  يبدأ رسمه للحصان بأخذ شكل آخر مغايرٍ عن رسمه لقط أو غيره من الحيوانات، خاصة الطيور.

 

يقدم الطفلُ في المرحلة الثالثة معالم/ ملامح/ خطوطاً ثنائية الأبعاد، لكنه في الوقت نفسه يصور الحصانَ تصويراً واقعيّاً.  وكما يوضح الشكل 20 [في الملحق]، يقدم الطفلُ خلال المرحلة الرابعة تصويراً ثلاثي الأبعاد للحصان يصاحبه منظور.  الآن فقط يبدأ الطفلُ برسم ما يراه.  يبدو الاستنتاجُ الذي سنخلص إليه عند أخذنا المراحل الأربع بعين الاعتبار متناقضاً للوهلة الأولى.  فقد كنا نتوقع أن يكون الرسم الناتج عن الملاحظة أسهل من الرسم من الذاكرة.  ومع ذلك، تشير الملاحظات التجريبية إلى أن الرسم الناتج عن ملاحظة تصوير واقعي للكائن/ الشيء يمثل المرحلة الرابعة والأخيرة في تطوير رسومات الأطفال؛ إنها المرحلة التي يبلغها الطفل الاستثنائي فقط.

 

كيف يمكننا تفسير ذلك؟

 

في السنوات الأخيرة، حاول أ. ف. باكوشِنْسكي (A.V. Bakushinskii)، الدارس لرسومات الأطفال، أن يقدم تفسيراً.  تركز المرحلة الأولى من نمو الطفل، بحسبه، على نمط الإدراك الحركي الحسي ونمط التوجيه نحو البيئة نفسه.  لهذين النمطين الأولوية على الانطباعات البصرية وهذه الأخيرة تابعة لنمط التوجيه الحركي والحسي الذي يتخذه الطفل.  يقول باكوشِنْسكي:

يمكن فهم واستيعاب أفعال الطفل وكل نتاجاته الإبداعية، كليّاً وجزئيّاً، بالإشارة إلى هذا التفاعل بين الحركي– الحسيّ والطرق البصرية التي يرى الطفلُ العالَمَ من خلالها.  الطفلُ مخلوقٌ من حركة عفوية حقيقية.  إنه يخلق فعلاً حقيقيّاً.  تهمُّهُ عملية الفعل، في المقام الأول، لا النتيجة.  يفضِّلُ أن يصنع الأشياء بدلاً من تصورها، إنه يحاول توظيفَها بما يحقق أكبر نفع ممكن، عبر اللعب بصورة رئيسة، لكنه لا مُبالٍ، أو تقريباً لا مُبالٍ، في تأملها، خاصةً لفترةٍ طويلةٍ من الزمن.  تصطبغ أفعالُ الطفل، في هذه الفترة، بنكهة عاطفية قوية.  كما يهيمن الفعل الجسماني على العمليات التحليلية للوعي.  والنتاجات الإبداعية غاية في التخطيط، وعادة ما تحتوي على أعمِّ الرموز.  لا تُمَثَّلُ تغيراتها أو أفعالها.  فإمّا أن توصف بالكلمات أو أن يُعبِّرَ اللعبُ عنها.

 

ينطوي الاتجاه الرئيس لتطور الطفل على زيادة مطردة في دور الرؤية في مشروع السيطرة على العالَم.  بدءاً من حالتها الأولية التابعة، فإنها تهيمن تدريجيّاً كما يصبح النظام السلوكي الحركي الحسي للطفل تابعاً للبصري.  وقد نلحظ صراعاً، خلال الفترة الانتقالية، بين مبدأين متناقضين يتعلقان بسلوك الطفل، ينتهي بانتصار كامل للنمط البصري لإدراك العالَم.

 

يقول باكوشِنْسكي:

ترتبط المرحلة الجديدة بضعف النشاط البدني الخارجي وتكثيف النشاط العقلي.  تنشأ فترة تحليلية وعقلانية في تطور مرحلة الطفولة، وتستمرُّ حتى انتهاء الطفولة والمراهقة.  تلعب الجوانب البصرية الدورَ السائد في فهم العالَم وفي التمثيل الإبداعي لهذا الفهم.  يصبح المراهق بصريّاً أكثر فأكثر، يتأمل كواليس العالَمِ، ويستشعرها عقليّاً باعتبارها ظاهرة معقدة، ولا يدرك، عبر هذا التعقيد، في كثيرٍ من الأحيان تنوعَ الأشياءِ ووجودَها والعلاقات فيما بينها، كما كان الحالُ خلال الفترة السابقة.

 

تحتلُّ العمليةُ الطفلَ مرة أخرى؛ إنها ليست عملية أفعاله نفسها، إنها العمليات التي تحدث في العالَمِ الخارجي.

 

يسعى المراهق، في مجال الفنون البصرية، خلال هذه الفترة، للحصول على شكلٍ وهمي وطبيعي.  إنه يريد أن يصنع شيئاً يحاكي الواقع.  لذا، تسمح له إعداداته البصرية أن يتقن طُرُق المنظور (رؤية الموضوع من زاوية معينة) بغية التصوير/ التمثيل.

 

وبهذا، فإننا نرى أن التحول إلى شكل جديد للرسم مرتبط بتغيرات عميقة في سلوك المراهق خلال هذه الفترة.  إن البيانات الخاصة بتكرار حدوث المراحل الأربع، التي يقدمها كرشنشتاينر، ذات أهمية هُنا.  رأينا من قبل أنَّ مرحلة كرشنشتاينر الرابعة تبدأ في التشكل في سن الحادية عشرة فقط، أي، وفقاً لمعظم الكُتّاب، عندما يفتر اهتمامُ الأطفالِ بالرسم.  ومن الواضح، كما أشرنا سابقاً، أننا هُنا نتعاملُ مع الموهوبين بصورة خاصة، من جهة، ومع الأطفال الذين خلقوا الظروف المواتية لتطوير الرسم لديهم عن طريق المدرسة أو حالات تعليمية معينة انخرطوا بها داخل المنزل، من جهةٍ أُخرى.

 

لم يَعُدِ الرَّسمُ نشاطاً إبداعيّاً جماعيّاً، أو عفويّاً، أو ذاتيّاً من جانب الأطفال، ولكنه بدلاً من ذلك أصبح إبداعاً مرتبطاً بالمقدرة، وبمهارات إبداعية معينة، وبالتمكن من المادة وإتقانها، وهلمَّ جرّا.  يمكن استخدام البيانات التي يذكرها كرشنشتاينر لتوضيح التوزيع النسبي للمراحل الأربع وفقاً للسن: نرى أن جميع الأطفال البالغين من العمر ست سنوات هم في المرحلة الأولى من التخطيط الخالص.  تصبح هذه المرحلة أقل شيوعاً بعد سن الحادية عشرة، حيث يتطور الرسم، وبدءاً من عمر الثالثة عشرة، يصبح الرسم حقيقيّاً بالمعنى الكامل والدقيق لكلمة "حقيقي".

 

من الجدير ذكره أنَّ ف. ليبِنشتاين (F. Lebenstein) [في فولكيل، 1930]، الدارس لرسومات الأطفال أيضاً، حصل على بياناتٍ مثيرة للاهتمام تشير إلى أيّ درجة يُضمِّنُ الأطفالُ من مختلف الأعمار ملامحَ متنوعة من التمثيل التخطيطي لشكل الإنسان.

 

وهكذا، فإننا نرى أنَّ الجذعَ حاضرٌ في 50 بالمئة من رسومات الأطفال في سن الرابعة، وفي 100 بالمئة من رسومات الأطفال في سن الثالثة عشرة، وتظهر الرموش والحواجب في 92 بالمئة من رسومات الأطفال في سن الثالثة عشرة أيضاً، و1/9 من رسومات الأطفال في سن الرابعة.  يمكن صياغةُ الخلاصة العامة بالاعتماد على هذه البيانات على النحو الآتي: تظهر كلٌّ من الرأس، والساقين، والذراعين في أولى مراحل التطور المبكرة لرسومات الأطفال.  أما الأجزاء الأُخرى، والتفاصيل، والملابس، فيزداد حضورها في رسومات الأطفال كلما تقدموا في العمر.

 

يُثير هذا الأمرُ مسألةً تتعلق بكيف نتعامل مع الإبداع الفني خلال مرحلة المراهقة.

 

هل يُعَدُّ استثناءً نادراً؟ وهل ينبغي تحفيزه بإسباغ الأهمية عليه، وتشجيع المراهقين عليه، أم يجب علينا أن نخلُصَ إلى أنَّ شكل الإبداع هذا يذوي بصورة طبيعية في بداية مرحلة المراهقة؟

 

ها هي الطريقة التي تُقيِّمُ من خلالها مراهقةٌ نتائجَ دراسَتِها في نادٍ للتذوق الفني تحت إشراف ساكولينا (Sakulina).[1]

تُكلِّمُني الألوانُ هذه الأيام.  والطريقة التي تمتزج فيها تستحضر أمزجة متنوعة.  يفسر اللونُ والرسمُ محتوى الصورةِ ومعناها، ومن ثم يبدأ تجمُّع الأشياء في مجموعات بجذب انتباهي، ما يخلق أيضاً مزاجاً للصورة، بالإضافة إلى الضوء والظل، وهذا ما يحوي قدراً كبيراً من الحياة.  أهتمُّ كثيراً بهذا الضوء، وعندما نرسم من الطبيعة، فأنا أريد دائماً أن أفعل كلَّ ما في وسعي لتصويرها لأن هذا الأمر يجعل الأشياء نابضة بالحياة، لكنه صعبٌ جدّاً.

 

عندما نحاول أن نعزز إبداعَ الأطفال، بما في ذلك مجال الفنون البصرية، فعلينا احترام مبدأ الحرية، وهو بصورة عامة شرطٌ ضروريٌّ لجميع أنواع الإبداع، ما يعني أنَّ الأنشطة الإبداعية للأطفال لا يمكن أن تكون قسرية أو إجبارية، وينبغي أن تنبثق فقط من قلب اهتماماتهم هُمْ.  لهذا السبب لا يمكن لتعليم الرسم أن يكون ظاهرة جماعية عامة.  ومع ذلك، يمكن للرسم أن يحظى بأهميةٍ ثقافيةٍ هائلةٍ بالنسبة للأطفال الموهوبين، وأولئك الذين لا يخططون ليصبحوا فنانين محترفين.  فكما ورد في المثال أعلاه، عندما تُكلِّمُ الألوانُ والرسومات المُراهقين، فهذا يعني أنهم أتقنوا لغةً جديدةً، ستُوسِّعُ آفاقهم، وتُعمِّقُ مشاعرهم، ومن خلال لغة الصُّوَرِ، ستتواصلُ معهم وتُبلِغُهُم ما لم يدركوه أبداً.

 

ترتبط مسألتان مهمَّتان جدّاً بسؤال الرسم في مرحلة المراهقة وسنناقشهما في الخاتمة.  أولاً، بالنسبة للمراهقين، لا تكفي ممارسة بسيطة للخيال الإبداعي.  كما أنَّ الرسم بالاستعانة بالطرق القديمة لم يَعُدْ مُرضِياً.  يحتاج المراهق، من أجل تجسيد مخيّلته الإبداعية، إلى اكتساب مهاراتٍ وقدراتٍ فنيةٍ احترافيةٍ خاصة.

 

ينبغي عليه أن يتعلَّمَ إتقان المادة؛ طريقة التعبير المحددة التي يقدمها الرسم.  إننا نضمن أنَّ الرسم للأطفال يقع على طريق التطوير الصحيحة بما يتناسب مع أعمارهم، فقط عندما يُصقَلُ إتقانهم للمادة.  وهكذا فإننا نرى المشكلة بكل تعقيداتها في جزأين: نحن في حاجة إلى صقل/ رعاية الخيال الإبداعي، من جهة، كما أنَّ عملية تجسيد الصُّوَر التي يبدعها الخيالُ في حاجة إلى ثقافة خاصة، من جهة ثانية.  فقط عندما يتطور هذان الجانبان على نحو كافٍ، يتطور إبداعُ الأطفال بشكل صحيح، ويقدم هذا الإبداعُ للطفل ما يحقُّ لنا أن نتوقعه منه.  يرتبط رسم الأطفال ارتباطاً وثيقاً بالعمل الإنتاجي أو الإنتاج الفني، وهذا جانبٌ آخر يتصل بالرسم في هذه السن.  تصف بوسبيلوفا (Pospelova) تجربتها في تعليم الأطفال كيفية صناعة النقوش، حيث يتطلب صنع النقوش إتقان الأطفالِ لمجموعة كاملة من العمليات التقنية لإبداع النقش ومن ثم طباعته.

 

تكتب بوسبيلوفا: "أثارت عمليةُ الطباعة اهتمام الأطفالِ، لا أقلَّ، إن لم يكن أكثر، من عملية النقش في حد ذاتها، وبعد أن طُبِعَ أول النقوش، زاد عدد المنتسبين إلى نادينا زيادة كبيرة".

 

أصبح النقشُ الدافعَ، ليس فقط للإبداع الفني لدى الأطفال، بل أيضاً لإبداعهم التقني.  وبسببٍ من طبيعة تقنيتها، وُظِّفَتِ النقوشُ لأغراض أخرى وليس فقط للأهداف الفنية المحضة.  صنع الأطفالُ عناوين الصحف، والإعلانات، والأختام، واستخدموا تقنيات النقش في جريدتهم، وحضَّروا الرسوم التوضيحية للعلوم الطبيعية والاجتماعية، لتبيان أن المزيد من عملهم مرتبط بالطباعة.  وللكاتب ما يبرر قوله تماماً عندما يَخْلُصُ إلى قول: "لقد كان واضحاً من اهتمام المراهقين بالجوانب التقنية أنَّ جذب الانتباه إلى شكلٍ ما من أشكال التقانة الصناعية عبر إبداعٍ فنيٍّ شخصيٍّ يتطلب هذه التقانة هو أسلوبٌ تربويٌّ/ تعليميٌّ ناجح جدّاً".  هذا التوليفُ بين الفني والصناعي لهو أفضل مكمّلٍ محتملٍ لطبيعة الإبداع في هذه المرحلة العمرية.  إن النقشين اللذين أوردهما الكاتب، ويصوران طاحونة وفلّاحاً، يُظهران مدى تعقيد عمليات التقانة والإبداع عند تشابكها.

 

إنَّ لكلِّ فنٍّ تقنيته الخاصة التي تتأتّى عبر صقل وسائل خاصة تقوم بتجسيد صُوَرِه، كما أن هذا الدمج بين التخصصات التقنية وممارسة الإبداع، بلا شك، يُعَدُّ الطريقة الأهم في مخزون المعلِّم للطلبة في هذه السن.  يصف كلٌّ من لابونسكايا (Labunskaia) وبِستِل (Pestel) تجربتهما في العمل مع الأطفال في حقل الإنتاج الفني:

ما أهمية الإنتاج الفني لدى الأطفال المراهقين في سن الثالثة عشرة، والرابعة عشرة، والخامسة عشرة، السن الأصعب بالمعنى الفني والتربوي/ التعليمي، وفيها يبدو أن الأطفال الأقدر يصيبون بعضهم بعضاً بعدوى الرأي القائل: "لا يمكننا القيام بذلك بطريقة صحيحة، وليس من المُجدي فعل ذلك بالطريقة التي نستطيعها"؟ يمكن لمواصلة التعليم الفني أن تساعدهم فقط في الاحتفاظ بالدافع على الإبداع والتمكن من موادهم عن طريق الانخراط في الإنتاج الفني.  يبدو أن قلم الرصاص، والصلصال، والدهانات المستخدمة في المشاريع الفنية المحضة أصبحت مملة بالنسبة لهم.  ستعطي المواد الجديدة والمشاريع الهادفة الجديدة دافعاً جديداً لإبداعهم.  عندما كانوا في سن أصغر، انطفأت شعلة الحاجة للتغلب على الصعوبات التقنية وأعاقت مساعيهم الإبداعية، أما الآن فالعكس هو الصحيح، فالمعيقات، والصعوبات التقنية، والحاجة إلى توظيف قوتهم المبتكرة داخل إطار عملٍ معين تزيد من جهودهم الإبداعية، وهنا تكمن أهمية التوجيه الإنتاجي المهني.

 

تتضح تماماً أهمية ُالجانبِ التقني الذي يجب أن يندغم الإبداع فيه ليتحقق خلال هذه الفترة إذا تذكَّرْنا أنَّ هذا يوفِّرُ نواة النشاط الإبداعي في شكلٍ يتمكن الطفل من الوصول إليه بسهولة.  يقول الكُتّابُ بحقٍّ إنَّ هذا النوع من الإبداع يعتاد فيه الطفلُ على إظهار قدرته الإبداعية في بناء حياةٍ كادحة (زخرفة النادي، إعداد اللافتات، والملصقات، وموجودات المسرح، وصُحُف الصف).  استخدم الكُتّابُ في دراساتهم التطريز، والرسم على الخشب، والطباعة بالإستِنسِل[2] على القماش، والدُّمى، والحياكة، والنِّجارة، وكلها أدَّتْ إلى النتيجة المثمرة ذاتها.  لم يقتصر الأمر على تطوير الأطفال لقدراتهم الإبداعية، لكنهم طوروا قدراتهم التقنية أيضاً.  أصبح العملُ في حد ذاته معبِّراً وممتعاً، وتوقف الإبداعُ عن كونه تسلية ولعبة، ليس جديراً باهتمام مراهق جاد، وبدأ بتلبية الموقف الجاد والحاسم الذي يأخذه المراهقون على عاتقهم حيال عملهم، لاعتماده على التقنية، التي أتقنها الطفلُ تدريجيّاً، وعلى العمل.  من السهل هُنا أيضاً، كما في تجربة الأطفال في تقديم المسرحيات، إيجاد طريقة للتمديد ليصل إلى مجال الإبداع التقني الخالص للأطفال.

 

من الخطأ اعتقاد أنَّ كلَّ قدرات الأطفال الإبداعية تقتصر حصراً على مجال الإبداع الفني.  للأسف، أتاح التعليمُ التقليدي، الذي حرص على إبعاد الأطفال عن العمل، الفرصةَ لأن يُظهِرَ الأطفالُ قدراتهم الإبداعية ويُطوروها في مجال الفن في المقام الأول.  ومع ذلك، فإننا نشهد على التطوّر المكثف لإبداع الأطفال في مجال التقانة أيضاً، خاصة في المرحلة العمرية التي تهمُّنا هُنا.  بناء نماذج لطائرات وآلات، وصناعة إنشاءات جديدة، رسومات، وأنشطة في نوادي أنصار الطبيعة الشباب، كل هذه الأشكال من الإبداع الفني للأطفال تحظى بأهمية عظيمة من حيث إنها توجه اهتمام الأطفال وانتباههم إلى مجال جديد يُمْكِن للمخيّلة الإبداعية أن تعمل فيه.

 

وكما رأينا، العلوم كالفن، تسمح بتطبيق الخيال الإبداعي.  والتقانة نتاج النشاط نفسه، أو الخيال المتبلور على حدِّ تعبير ريبو.  يعتمد الأطفالُ الذين يحاولون إتقان عملية الإبداع العلمي والتقني على المخيلة الإبداعية بالقدر ذاته كما هو الحال في مجال الإبداع الفني.  أدّى تطور الإذاعة في يومنا هذا والدعاية العامة لصالح التعليم التقني في السنوات الأخيرة إلى تشكيل شبكة كاملة من النوادي الكهرو-تقنية.  وعلاوة على ما سبق، توجد مجموعة كبيرة من النوادي التقنية للشباب العاملين في المصانع.  ثمة أيضاً نوادٍ للطيران، والكيمياء، والتصميم، وغيرها.

 

تؤدي نوادي أنصار الطبيعة الشباب، التي تحاول الجمع بين العمل الإبداعي والمشاريع التي تنطوي على تحسين الاقتصاد، مهمةً مماثلةً فيما يتعلق بتطوير الإمكانات الإبداعية للأطفال.  لا بدَّ أن تتحول نوادي أنصار الطبيعة الشباب ونوادي التقنيين الشباب، المنتشرة في المنظمات الطليعية، مدارسَ للإبداع التقني في المستقبل نستثمر فيها فئة المراهقين لدينا.

 

لن نُسهِبَ أكثر في الحديثِ عن هذا الشكل أو غيره من أشكال الإبداع الأخرى، كالموسيقى، والنحت، وغيرها، لأننا لا نسعى إلى توفير تعدادٍ منتظم وكامل لجميع أنواع الإبداع لدى الأطفال.  كما أنّ هدفنا لا يتعلق بتعداد طرق العمل مع الأطفال في كل نوع من أنواع الإبداع المُدرجة.  ما يهمُّنا هو جذب الانتباه إلى الآلية الكامنة وراء إبداع الأطفال، وأهم خصائص هذا الإبداع خلال سنوات المدرسة، إضافةً إلى أمثلة عن أكثر أشكال الإبداع دراسةً من قبل أطفال المدرسة بغية الكشف عن عمل هذه الآلية ووجود هذه الخصائص.

 

في الختام، لا بدَّ أن نؤكد الأهمية الخاصة المعطاة لرعاية الإبداع وصقله لدى الأطفال في سن المدرسة.  سيتحقق مستقبل البشرية جمعاء عبر المخيّلة الإبداعية، والتوجيه نحو المستقبل، والسلوك المعتمد على المستقبل والمستمد منه، وهي أهمُّ وظيفة للمخيلة، إلى درجة أنَّ الهدف التعليمي/ التربوي الرئيس من التعليم هو توجيه سلوك أطفال المدرسة وذلك لإعدادهم للمستقبل، كما يجب أن تكون تنمية الخيال وممارسته واحدة من أهم القوى الرئيسة المُدرجة من أجل تحقيق هذا الهدف.

 

إنّ ما يعزِّزُ تطويرَ الفرد المبدع، الذي يسعى نحو المستقبل، هو الخيال الإبداعي المتجسد في الزمن الحاضر.

 

ملاحظات:

1.      إنّ هذه الأمثلة لإبداعات الأطفال الأدبية، مثل الإبداعات الأخرى التي قمنا بالإشارة إليها، مأخوذة بشكل أساسي من كتاب Literaturnoe tvorchestvo i iazyk detei shkol’ nogo vozrasta لسولفيوف (I.M. Solov’ev). يمكن إيجاد أعمال هذا الكاتب والكتّاب المذكورين في مجموعة مقالات Iskusstvo v trudovoi shkole  (موسكو، 1926).

 

المُلحق

الشكل 1. سيارة (خربشة).

الشكل 2 و3. رأسان بساقَيْن.

 

شكل 4. رسمٌ من ذاكرة طفلة في سن السابعة.  تصوير مثالي لإنسانٍ بلا جذع.  تخطيط خالص.  لا ترسم الفتاة في منزلها ولا تملك كتباً مُصوَّرة.

شكل 5. رسم من الذاكرة. تخطيط خالص.  الجذع في شكلٍ بيضاوي.  رسم صبيٍّ في الروضة في سن الرابعة.

 

 

 

شكل 6. رسم من الذاكرة.  لفتاة في سن السابعة ولا تملك كتباً مُصوَّرة.  الجذع في شكل مستطيل.  تخطيط خالص.

شكل 7. تخطيط خالص.  الجذع في شكل خط دائري.  يرتدي الرجل زيّاً رسميّاً، بنطالاً، وقبَّعة.  تظهر الأزرارُ كلُّها (وهي مرسومة بالخطأ على البنطال أيضاً).  لصبيٍّ في سن العاشرة يمارس الرسم في منزله.  رسمٌ لأبيه، جامع التذاكر في عربة نقل.

شكل 8 و9. تَصَوُّرٌ لعربة نقل من الذاكرة.  رسم أولي تماماً.  رسمته طفلة عمرها من 7 إلى 10.  لا تمارس الرسم في المنزل ولا تملك كتباً مُصوَّرة.

شكل 10. رسم لعربة نقل من الذاكرة.  تخطيط خالص.  رسمته طفلة في سن الثانية عشرة.  من المثير للاهتمام أن العربة تمَّ رسمُها، على الأغلب، في مقطعٍ عرضي.

 

 

شكل 11. رسم لعربة نقل من الذاكرة.  تشتمل على منظور.  رسمها طفل في سن الثالثة عشرة، يمارس الرسم في المنزل.  الزاوية البصرية الثابتة من الجهة الجانبية جديرة بالملاحظة.

 

 

 

 

 

شكل 12. جندي.

شكل 13. تحية طليعي.[3]

 

شكل 14. أُم ومولودها.

شكل 15. المرحلة الثالثة.  رسم غير تخطيطي.  رسمه طفل في سن العاشرة.  يمارس الرسم في المنزل ولديه كتبٌ مُصوَّرة.  على الرغم من وجود بعض الأخطاء (كالذراعين الطويلتين جدّاً، إلخ)، فإنَّ هذا الرسم يقترب من المرحلة الرابعة (تحدب الأكمام وحافة السترة).

 

شكل 16. رسم غير تخطيطي لطفلٍ في سن السادسة.  بداية المرحلة الرابعة (تصوير مقعر لطيات الأكمام والتنورة).

شكل 17. بداية تصوُّرٍ يتوافق مع الشكل الفعلي للكائن.  الرسم لطفل في سن الثانية عشرة، نجلُ عاملٍ مُياوِم.

شكل 18. تمثيلٌ ثلاثي الأبعاد لشخص من الواقع.  (المرحلة الرابعة).  يصوِّرُ الرسمُ صبيّاً نائماً من واقع الحياة.  رسمه طفل في سن الثالثة عشرة، نجلُ صانع لجام الخيل وعامل مُياوِم.  إن تصوير الساقين، وبخاصة العضلات في الساق اليُمنى، لهو أمرٌ جديرٌ بالملاحظة.

شكل 19. المرحلة الأولى. تخطيطي خالص/ صرف.  رسمته طفلة في سن السادسة.  ترسم في المنزل ولديها كتب مصورة.  إنه تصوير جدير بالملاحظة، إذ يحاكي شكل القنطور.[4] الرأس للحصان، لا للراكب.

 

شكل 22. غياب المخطط (المرحلة الرابعة).  محاولة تصوير ثلاثية الأبعاد.  رسمها طفل في سن الثامنة، نجلُ رسام وفنان.  يرسم في المنزل بشغف كبير وبدعم من أبيه.

 

 

 



ت: هيفاء أبو النادي

مراجع وهوامش


[1]  يوجدُ عملُ هذا الكاتب وغيره من المذكورين لاحقاً ضمن مجموعة من المقالات بعنوان Iskusstvo v trudovoi shkole (موسكو، 1926).

[2]  الإستِنسِل: صحيفة مُخرَّقة بأشكال الحُروف أو الأرقام لرسمها أو طبعها.  (قاموس أُكسفورد).

[3]  أحدُ أفرادِ فرقة الطليعة.  (قاموس أُكسفورد).

[4]  مخلوق أسطوري في الميثولوجيا الإغريقية، له جسد حصان وجذع ورأس إنسان.  (المترجم).