إلى ذكرى المعلم يوسف الخواجا
وإلى المعلم محمد الخواجا
صدرت هذه المقالة في كتاب "تجارب في المشاع الأرشيفي" الصادر عن مركز خليل السكاكيني الثقافي ضمن معرض بالعنوان نفسه (أيار 2026)
مُفتتح أول
هناك، قريبًا، مِنْ سُورِ الْمَدِينَةِ الْعَتِيقَةِ
تَمْشِي الْحَكَايَاتُ ثَانِيَةً عَلَى أَقْدَامِهَا.
الذَّاكِرَةُ هُنَا لَا تَمُوتُ
وَلَا تُبَدِّدُهَا الْهَرَاوَاتُ.
أَسْنَانُ الْخَرَافَاتِ تَنْهَشُ الْأَبْيَضَ وَالْأَسْوَدَ فِي بُورْتْرِيهِ الْجَدَّةِ.
رُبَّمَا الْوَقْتُ يَتَأَخَّرُ الْيَوْمَ
وَلَكِنَّ الزَّمَنَ سَيَأْتِي عَلَى عَجَلَةٍ مِنْ أَمْرِهِ بَعْدَ غَدٍ. (و.ك)
تَوْطِئَة
لَمْ تَكُنِ الصُّوَرُ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ أَدْرَاجِ الْبُيُوتِ وَأَلْبُومَاتِهَا فِي نَعْلِينَ مُجَرَّدَ صُوَرٍ عَتِيقَةٍ. كَانَتْ، فِي لَحْظَةِ خُرُوجِهَا إِلَى فَضَاءِ الْقَلْعَةِ، تُعِيدُ طَرْحَ أَسْئِلَةٍ أَعْمَقَ مِنْ مُجَرَّدِ الْحَنِينِ: مَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ تَفْعَلَهُ صُورَةٌ حَبِيسَةُ أَلْبُومِهَا فِي فَضَاءٍ حُرٍّ؟ مَنْ يَمْلِكُ الذَّاكِرَةَ؟ مَنْ يُقَرِّرُ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحْفَظَ؟ كَيْفَ تَتَحَوَّلُ الصُّورَةُ مِنْ أَثَرٍ شَخْصِيٍّ صَامِتٍ إِلَى خِطَابٍ عَامٍّ؟
فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الَّتِي تَعِيشُ تَحْتَ تَهْدِيدِ الْمَحْوِ، الْأَرْشِيفُ حِفْظٌ وَتَوْثِيقٌ، وَهُوَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ جُزْءٌ مِنَ الصِّرَاعِ عَلَى الْوُجُودِ وَالْحُضُورِ، وَمِنْ مُكَوِّنَاتِ الْحَقِّ فِي أَرْضِ الْحِكَايَةِ، لَا فِي رَيِّهَا وَرِوَايَتِهَا وَحَسْبَ.
مِنْ هُنَا انْطَلَقَتْ تَجْرِبَةُ مَعْرِضِ الصُّوَرِ الْعَائِلِيَّةِ فِي قَلْعَةٍ فِي بَلْدَةِ نَعْلِينَ. لَمْ تَكُنْ مُحَاوَلَةً لِإِنْشَاءِ مَعْرِضٍ أَرْشِيفِيٍّ تَقْلِيدِيٍّ، وَلَا نَشَاطًا فَنِّيًّا مُنْفَصِلًا. كَانَتْ رِحْلَةَ تَعَلُّمٍ يَنْخَرِطُ فِيهَا فِتْيَةٌ وَفَتَيَاتٌ، فَيُصْبِحُونَ قَيِّمِينَ صِغَارًا عَلَى ذَاكِرَةِ أَهَالِيهِمْ، وَيُصْبِحُ أَرْشِيفُهُمْ مَادَّةً لِلتَّسَاؤُلِ وَالتَّأْوِيلِ وَالْحِوَارِ وَالْمَعْرِفَةِ.
"
الْقَيِّمُ الصَّغِيرُ" وَإِعَادَةُ تَوْزِيعِ الْمَعْرِفَةِ
تُقَدِّمُ التَّجْرِبَةُ نَمُوذَجًا عَمَلِيًّا لِمَا يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ بِـ"الْقَيِّمِ الصَّغِيرِ"، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الْمُتَعَلِّمُونَ إِلَى فَاعِلِينَ قَيِّمِيِّينَ يَقُومُونَ بِاخْتِيَارِ الْمَوَادِّ الْأَرْشِيفِيَّةِ، وَتَنْظِيمِهَا ضِمْنَ سَرْدِيَّاتٍ، وَتَصْمِيمِ تَجْرِبَةِ الْعَرْضِ، وَالتَّفَاعُلِ مَعَ الْجُمْهُورِ.
هَذَا النَّمُوذَجُ يُحْدِثُ قَطِيعَةً مَعْرِفِيَّةً نِسْبيَّةً مَعَ الْمَفْهُومِ التَّقْلِيدِيِّ لِلْأَرْشِيفِ. فَفِي الْحَالَةِ الْعَادِيَّةِ تَكُونُ السُّلْطَةُ بِيَدِ "أَمِينِ الْأَرْشِيفِ" الَّذِي يَتَعَامَلُ مَعَ الْمَوَادِّ بِـ"مَوْضُوعِيَّةٍ" وَ"حِيَادٍ" مَزْعُومَيْنِ. لَكِنَّ فِي مَعْرِضِ نَعْلِينَ، انْتَقَلَتِ السُّلْطَةُ إِلَى أَيْدِي "الْقَيِّمِينَ الصِّغَارِ" الَّذِينَ مَارَسُوا حَقَّهُمْ فِي الِانْحِيَازِ وَالِاخْتِيَارِ وَبِنَاءِ السَّرْدِيَّةِ.
لَقَدْ خَرَجَتِ الصُّوَرُ مِنْ إِطَارِهَا الْخَاصِّ إِلَى الْعَامِّ، وَخَرَجَ مَعَهَا الْفِتْيَةُ مِنَ التَّلَقِّي إِلَى الْفِعْلِ. وَهَكَذَا تَحَوَّلَتِ الْقَلْعَةُ الْأَثَرِيَّةُ، وَفِي يَوْمِ الْأَرْضِ، إِلَى فَضَاءٍ تَتَجَاوَرُ فِيهِ الذَّاكِرَةُ الشَّخْصِيَّةُ مَعَ الْوَطَنِيَّةِ، وَيَتَحَوَّلُ فِيهِ التَّعَلُّمُ إِلَى تَجْرِبَةٍ حَيَّةٍ.
هَكَذَا يَتَحَرَّرُ الْأَرْشِيفُ مِنَ "الْحِيَادِ الْمَزْعُومِ" وَيُصْبِحُ مَرْجِعيَّةً لِلتَّعْبِيرِ عَنْ رُؤْيَةٍ ذَاتِيَّةٍ وَجَمْعِيَّةٍ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ. إِنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنْ سُلْطَةِ الإيداعِ إِلَى قُوَّةِ الْإِبْدَاعِ. يَتَوَزَّعُ إِنْتَاجُ الْمَعْرِفَةِ دَاخِلَ شَبَكَةٍ مِنَ الْفَاعِلِينَ فِي فَضَاءٍ مَفْتُوحٍ، وَلَا يَعُودُ مَحْصُورًا فِي المُشْرِفِ أَوِ الْمُعَلِّمِ أَوِ الْخَبِيرِ.
مِنَ الْخِزَانَةِ إِلَى الْمَكَانَةِ
تَحَوَّلَ مَفْهُومُ الْأَرْشِيفِ فِي الْعُقُودِ الْأَخِيرَةِ مِنْ كَوْنِهِ وِعَاءً لِحِفْظِ الْمَاضِي إِلَى أَرْضِيَّةٍ خَصْبَةٍ لِلتَّسَاؤُلِ حَوْلَ عَلَاقَةِ الذَّاكِرَةِ بِالسُّلْطَةِ. وَبِهَذَا الْمَعْنَى، تَرْتَبِطُ قَضَايَا الْأَرْشِيفِ ارْتِبَاطًا وَثِيقًا بِالِاسْتِعْمَارِ وَالِاحْتِلَالِ وَالْأَنْظِمَةِ الدِّيكْتَاتُورِيَّةِ
.
يَحْظَى حِفْظُ الْأَرْشِيفِ وَخَزْنُهُ بِاهْتِمَامٍ كَبِيرٍ، وَتَحْظَى مُحَاوَرَتُهُ بِاهْتِمَامٍ أَقَلَّ. فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَكْثَرُ انْشِغَالًا بِتَجْمِيعِهِ وَتَصْنِيفِهِ مِنِ انْشِغَالِهِمْ بِقِرَاءَتِهِ وَاسْتِلْهَامِهِ وَتَحْوِيلِهِ إِلَى مُنْتَجٍ مَعْرِفِيٍّ (هُنَا وَالْآنَ). مِنْ هَذَا الْمَنْظُورِ، انْبَثَقَتْ تَجْرِبَتُنَا فِي مَرْكَزِ الْمُعَلِّمِينَ بِنَعْلِينَ، حَيْثُ تَحَوَّلَتِ الصُّوَرُ الْعَائِلِيَّةُ مِنْ وَثَائِقَ صَامِتَةٍ إِلَى حَكَايَاتٍ تَمْشِي عَلَى أَقْدَامِهَا، تَأْكِيدًا حَيًّا عَلَى أَنَّ الذَّاكِرَةَ هُنَا تُقَاوِمُ الْمَوْتَ وَالنِّسْيَانَ.
أُقِيمَ الْمَعْرِضُ فِي فَضَاءٍ مَفْتُوحٍ، مَدْخَلِ الْقَلْعَةِ الْأَثَرِيَّةِ، لِيَحْتَفِيَ بِالذَّاكِرَةِ الْعَائِلِيَّةِ وَلِيُشَارِكَ فِي تَخْلِيدِ يَوْمِ الْأَرْضِ. وَهَكَذَا يَتَحَوَّلُ الْأَرْشِيفُ الْخَاصُّ إِلَى بَيَانٍ عَامٍّ يُؤَكِّدُ أَنَّ الْأَرْضَ تُرْوَى بِالصُّوَرِ تَسِيلُ مِنْهَا الْحَكَايَاتُ فَهِيَ مَاؤُهَا، وَأَنَّ مَنْ يُحَافِظُ عَلَى صُوَرِهِ وَحَكَايَاتِهِ قَادِرٌ عَلَى الْبَقَاءِ فِي أَرْضِهِ.
إِنَّ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الْأَرْشِيفَاتِ وَالْفَنِّ تُقَدِّمُ لَنَا قِصَّةً أُخْرَى إِلَى جَانِبِ الْعَمَلِ الْفَنِّيِّ. إِنَّهَا تُخْبِرُنَا بِأَنَّ أَرْشِيفَاتِ الْفَنِّ لَيْسَتْ فَقَطْ "عَمَّاذَا" أَنْتَجَ الْفَنَّانُ، بَلْ "كَيْفَ" وَ"لِمَاذَا". فَالْأَرْشِيفُ الْيَوْمَ لَمْ يَعُدْ "أَكَلَ عَلَيْهِ الدَّهْرُ وَشَرِبَ" عَلَى الرُّفُوفِ، لَقَدْ صَارَ مَادَّةً حَيَّةً مُمْكِنَةً لِلْخَلْقِ وَالْإِبْدَاعِ فِي فَضَاءَاتِ الْعَرْضِ.
غَيْرَ أَنَّ مَا يُمَيِّزُ الْمُقَارَبَةَ الَّتِي أَعْرِضُ لَهَا هُنَا، هِيَ أَنَّهَا تَتَناوَلُ تَحَوُّلَ الْأَرْشِيفِ إِلَى مَادَّةٍ حَيَّةٍ لِإِعَادَةِ التَّفْكِيرِ فِي الذَّاكِرَةِ وَالْهَوِيَّةِ وَمَعْنَاهُمَا، عَبْرَ الْفَنِّ كَفِعْلِ اسْتِقْصَاءٍ عَلَائِقِيٍّ يَتَحَوَّلُ فِيهِ الْأَرْشِيفُ إِلَى "عَرْضٍ مَفْتُوحٍ"، تَتَوَالَدُ فِيهِ الْأَسْئِلَةُ دُونَ تَوَقُّفٍ، وَيُشَارِكُ فِي مُحَاوَرَتِهِ مُنْتِجُوهُ مَعَ جُمْهُورٍ آخَرَ غَيْرِ جُمْهُورِ الْمَعَارِضِ الْمُعْتَادِ.
فِي وَصْفِ التَّجْرِبَةِ: مِنَ الْأَرْشِيفِ الْعَائِلِيِّ إِلَى الْمَعْرِضِ الْعَامِّ
انْطَلَقَتِ التَّجْرِبَةُ مِنْ وَرْشَةٍ فِي الصُّورَةِ الْفُوتُوغْرَافِيَّةِ مَعَ فَتَيَاتٍ وَفِتْيَانٍ، لَكِنَّهَا سَرْعَانَ مَا تَجَاوَزَتِ التَّدْرِيبَ التَّقْنِيَّ إِلَى مَشْرُوعٍ تَعَلُّمِيٍّ مُمْتَدٍّ يَقُومُ عَلَى اسْتِدْعَاءِ الْأَرْشِيفِ الْعَائِلِيِّ وَإِعَادَةِ تَفْعِيلِهِ فِي سِيَاقٍ مُجْتَمَعِيٍّ.
لَقَدْ عَمِلَ الْمُشَارِكُونَ، مَعَ مُنَسِّقَيِ الْمَرْكَزِ (يُوسُفَ الْخَوَاجَا وَمُحَمَّدِ الْخَوَاجَا)، عَلَى جَمْعِ صُوَرٍ بِالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ مِنْ مُقْتَنَيَاتِ أُسَرِهِمْ. فَشَكَّلَتْ عَمَلِيَّةُ الْجَمْعِ هَذِهِ فِعْلًا مِنْ فِعْلِ اسْتِدْعَاءِ الذَّاكِرَةِ الشَّخْصِيَّةِ وَالْعَائِلِيَّةِ وَإِدْخَالِهَا إِلَى الْفَضَاءِ الْعَامِّ. الصُّوَرُ الَّتِي كَانَتْ مُخَبَّأَةً فِي الْأَدْرَاجِ تَحَوَّلَتْ مِنْ "شَيْءٍ مَضَى عَلَيْهِ الزَّمَنُ" إِلَى "مَا هُوَ مَعْرُوضٌ" فِي فَضَاءٍ عَامٍّ، مَنَحَهَا ذَلِكَ حَيَاةً جَدِيدَةً. بَعْدَ أَنْ قَامُوا بِتَصْنِيفِهَا وَاخْتِيَارِ مَا رَأَوْا مِنْهَا مَا يُمَثِّلُ سَرْدِيَّةً قَابِلَةً لِلْعَرْضِ.
كُلُّ صُورَةٍ عُلِّقَتْ عَلَى جِدَارِ الْقَلْعَةِ تَحَوَّلَتْ إِلَى حِكَايَةٍ: صُورَةُ الْجَدَّةِ بِأَسْنَانِ الْخَرَافَاتِ الَّتِي تَنْهَشُ الْأَبْيَضَ وَالْأَسْوَدَ، صُورَةُ الْبَاصِ الْقَدِيمِ فِي شَوَارِعِ نَعْلِينَ، صُورَةُ الْأُمَّهَاتِ اللَّوَاتِي يَنْسُجْنَ أَثْوَابَ عُرْسٍ. هَذِهِ الصُّوَرُ لَا تَقُولُ كُلَّ شَيْءٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً، تَقُولُهُ عَبْرَ أَشْخَاصٍ مُتَنَوِّعِينَ وَأَزْمِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَمْكِنَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وَتَتَكَشَّفُ بِحَكَايَاتِهَا فِيهَا وَعَبْرَهَا، وَفِي الْعَلَاقَةِ بَيْنَ قَيِّمِي الْمَعْرِضِ وَالْجُمْهُورِ وَالْحِوَارِ الَّذِي يَجْرِي بَيْنَهُمْ. لَمْ يَكُنِ الصِّغَارُ خُبَرَاءَ يَتَحَدَّثُونَ "عَنْ" الصُّوَرِ مِنْ فَوْقُ، كَانُوا حُكَّاءً يَحْكُونَ "بِالْقُرْبِ مِنْ" الصُّوَرِ، بِالْقُرْبِ مِنْ ذَاكِرَتِهِمِ الْخَاصَّةِ وَذَاكِرَةِ عَوَائِلِهِمْ، بِالْقُرْبِ مِنْ أَسْئِلَةِ الْجُمْهُورِ، وَبِكَلَامٍ هُمْ أَنْتَجُوهُ.
تَمَّ اخْتِيَارُ فَضَاءِ الْعَرْضِ، كَمَا أَشَرْتُ سَابِقًا، فِي مَدْخَلِ الْقَلْعَةِ الْأَثَرِيَّةِ، وَهُوَ اخْتِيَارٌ ذُو دَلَالَةٍ رَمْزِيَّةٍ يَرْبِطُ بَيْنَ الْأَرْشِيفِ الْبَصَرِيِّ وَالْمَكَانِ التَّارِيخِيِّ. فَقَدْ تَوَلَّى الْمُشَارِكُونَ شَرْحَ الصُّوَرِ لِلْجُمْهُورِ، مُقَدِّمِينَ قِرَاءَاتٍ مُتَعَدِّدَةً مِنْ زَوَايَا رُؤْيَتِهِمُ الشَّخْصِيَّةِ وَمَشَاعِرِهِمِ الْخَاصَّةِ فِي تَفَاعُلٍ مُبَاشِرٍ أَفْضَى إِلَى حِوَارٍ حَيٍّ. وَفِي مُوَازَاةِ ذَلِكَ، وُثِّقَتِ التَّجْرِبَةُ عَبْرَ صُوَرٍ رَقْمِيَّةٍ وَتَسْجِيلَاتٍ بَصَرِيَّةٍ، لِيُشَكِّلَ هَذَا التَّوْثِيقُ طَبَقَةً ثَانِيَةً مِنَ الْأَرْشِيفِ، وَكَأَنَّهَا امْتِدَادٌ مَعْرِفِيٌّ يُعِيدُ فَتْحَ التَّجْرِبَةِ عَلَى إِمْكَانَاتِ قِرَاءَاتٍ لَاحِقَةٍ.
تَحَوَّلَ الْمُشَارِكُونَ إِلَى "قَيِّمِينَ صِغَارٍ"، يُنَاقِشُونَ مَعْنَى الصُّورَةِ وَيُؤَوِّلُونَ مَعَانِيَهَا، يَجْمَعُونَ الْمَوَادَّ الْأَرْشِيفِيَّةَ وَيُصَنِّفُونَهَا وَيَخْتَارُونَ مِنْهَا وَيُنَظِّمُونَهَا ضِمْنَ سَرْدِيَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، ثُمَّ يُخَطِّطُونَ لِمَوَاقِعِهَا وَمَسَارَاتِ جُمْهُورِهَا. لَقَدْ تَحَقَّقَ مَا بَدَا نَادِرًا: امْتِلَاكُ الْمُشَارِكِينَ لِدَوْرَةِ الْعَمَلِيَّةِ الْأَرْشِيفِيَّةِ بِأَكْمَلِهَا، مِنَ الْحِوَارِ التَّأْسِيسِيِّ إِلَى الْبَحْثِ فَالْجَمْعِ إِلَى التَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ إِلَى فَضَاءِ الْعَرْضِ وَمُحَاوَرَةِ النَّاسِ.
تَتَجَاوَزُ تَجْرِبَةُ نَعْلِينَ، عَلَى مَحْدُودِيَّتِهَا، حُدُودَ الْوَرْشَةِ الْفَنِّيَّةِ إِلَى مَشْرُوعٍ حِوَارِيٍّ مُجْتَمَعِيٍّ يَمْتَدُّ مِنَ الْفَضَاءِ الْوَاقِعِيِّ إِلَى الْفَضَاءِ الرَّقْمِيِّ، عَبْرَ التَّوْثِيقِ وَإِعَادَةِ النَّشْرِ وَهَذِهِ الْمَقَالَةِ الَّتِي تَأْتِي فِي سِيَاقِ أَرْشَفَةِ الْمَعْرِضِ. وَهَذَا "التَّوْثِيقُ" بِالْمَقَالَةِ يُصْبِحُ امْتِدَادًا لِلْأَرْشِيفِ وَالْمَعْرِضِ مَعًا، فَفِعْلُ الْكِتَابَةِ هُنَا يُعِيدُ مَوْضَعَةَ الْمَشْرُوعِ كَعَرْضٍ يَتَحَوَّلُ إِلَى مُشَارِكٍ فِي تَفْعِيلِ خِطَابٍ اجْتِمَاعِيٍّ مُحْتَمَلٍ، عَبْرَ إِتَاحَتِهِ لِجُمْهُورٍ أَوْسَعَ.
الْأَرْشِيفُ وَالْمَعْنَى
تَكْشِفُ التَّجْرِبَةُ أَنَّ الْأَرْشِيفَ لَهُ بُنْيَةٌ دَلَالِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ لَا تُنْتِجُ مَعْنَاهَا إِلَّا عَبْرَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّأْوِيلِ. وَهَذَا مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ (هَالْ فُوسْتَرُ) عِنْدَمَا يَصِفُ تَحَوُّلَ الْأَرْشِيفِ مِنْ "مَوْقِعِ تَنْقِيبٍ" إِلَى "مَوْقِعِ بِنَاءٍ": فَفِي تَصَوُّرِهِ، يَغْدُو الْأَرْشِيفُ فَضَاءً لِلْإِبْدَاعِ حِينَ يَتِمُّ تَحْوِيلُ مَوَاقِعِ اسْتِخْرَاجِ حَقَائِقِ الْمَاضِي إِلَى مَوَاقِعَ تُشَيَّدُ مِنْهَا سَرْدِيَّاتٌ جَدِيدَةٌ (2004).
لَمْ يَأْتِ صِغَارُ نَعْلِينَ لِيَسْتَخْرِجُوا حَقَائِقَ جَامِدَةً مِنَ الْمَاضِي، لَقَدْ أَتَوْا لِيَبْنُوا مِنْهَا مَعْرِضًا وَقَصَصًا وَتَجْرِبَةً جَمَالِيَّةً جَدِيدَةً. تَعَامَلُوا مَعَ الصُّورَةِ الْفُوتُوغْرَافِيَّةِ كَمَا يَتَعَامَلُ الْمُهَنْدِسُ مَعَ الطُّوبِ، إِنَّهَا مَادَّةٌ خَامٌ، لَكِنَّ الْمَعْنَى النِّهَائِيَّ يُنْتَجُ عَبْرَ "تَشْيِيدِ" عَلَاقَاتٍ جَدِيدَةٍ بَيْنَ الصُّوَرِ وَالْمَكَانِ وَالْوَقْتِ وَالنَّاسِ.
عِنْدَ اسْتِدْعَاءِ هَذِهِ الصُّوَرِ دَاخِلَ فِعْلِ الْكِتَابَةِ لَا تُحِيلُ إِلَى الْمَاضِي كَزَمَنٍ مُنْتَهٍ، بَلْ تُعِيدُ تَشْكِيلَهُ دَاخِلَ الْحَاضِرِ كَمَادَّةِ تَفْكِيرٍ وَتَأْوِيلٍ. وَهُنَا يَتَحَوَّلُ الْأَرْشِيفُ إِلَى مَا يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ بِالْأَرْشِيفِ الْمُنْتِجِ لِلْخِطَابِ، الْخِطَابِ الَّذِي يَسْبِقُ النَّصَّ وَيُشَارِكُ فِي إِنْتَاجِهِ وَإِعَادَةِ تَشْكِيلِهِ أَيْضًا.
وَبِذَلِكَ تُصْبِحُ الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْأَرْشِيفِ وَالْكِتَابَةِ عَلَاقَةَ إِنْتَاجٍ مُتَبَادَلٍ: الْأَرْشِيفُ لَيْسَ خَلْفِيَّةً لِلتَّجْرِبَةِ، إِنَّهُ التَّجْرِبَةُ فَاعِلَةً مَعْرِفِيًّا دَاخِلَهَا، يُوَثِّقُ مِنْ جِهَةٍ وَيُعَادُ تَفْعِيلُهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَهُوَ شَرِيكٌ فِي إِنْتَاجِ الْمَعْنَى حِينَ يُسَاءَلُ.
الْفَنُّ وَالْمَعْرِفَةُ
تُظْهِرُ التَّجْرِبَةُ أَنَّ الْفَنَّ سِيَاقٌ تَعْبِيرٌ عَنِ الْمَعْرِفَةِ وَفَضَاءٌ لِإِنْتَاجِهَا أَيْضًا. حِينَ يُدْمَجُ الْفَنُّ ضِمْنَ مَشْرُوعٍ تَعْلِيمِيٍّ تَكَامُلِيٍّ، يَغْدُو وَسِيلَةً لِاسْتِقْصَاءِ الْعَالَمِ وَتَفْسِيرِهِ وَإِعَادَةِ تَخَيُّلِهِ. لَقَدِ انْخَرَطَ الْمُشَارِكُونَ فِي عَمَلِيَّاتٍ تَشْمَلُ التَّأَمُّلَ وَالتَّسَاؤُلَ وَالتَّجْرِيبَ وَالتَّأْوِيلَ وَإِعَادَةَ الْبِنَاءِ، وَتَحَوَّلَتِ الْمَادَّةُ الْأَرْشِيفِيَّةُ إِلَى نُقْطَةِ انْطِلَاقٍ لِعَمَلِيَّةٍ إِبْدَاعِيَّةٍ تَرْبِطُ بَيْنَ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّجْرِبَةِ الْحِسِّيَّةِ.
فِي هَذَا السِّيَاقِ، يَقَعُ مَعْرِضُ نَعْلِينَ، عَلَى طَيْفِ الامْتِدَادِ بَيْنَ "الْمَعْرِضِ الْأَرْشِيفِيِّ" وَ"الْعَمَلِ الْأَرْشِيفِيِّ". فَهُوَ يَحْمِلُ خَصَائِصَ الْمَعْرِضِ الْأَرْشِيفِيِّ حَيْثُ تُقَدَّمُ الصُّوَرُ كَوَثَائِقَ تَحْمِلُ مَعْلُومَاتٍ تَارِيخِيَّةً، رَغْمَ أَنَّهَا فِي تَوْثِيقِهَا تُحِيلُ إِلَى خِطَابَاتٍ دَائِمًا، وَلَكِنَّ تَجْرِبَةَ الصَّيْرُورَةِ الَّتِي أَفْضَتْ لِلْعَرْضِ تَقْتَرِبُ مِنَ الْعَمَلِ الْأَرْشِيفِيِّ حِينَ تَتَدَاخَلُ رُؤَى الْمُشَارِكِينَ وَتَفْسِيرَاتُهُمْ مَعَ الْمَوَادِّ الْمَعْرُوضَةِ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ، وَيَتَحَوَّلُ الْمَعْرِضُ بِأَكْمَلِهِ إِلَى مُخْتَبَرٍ حِوَارِيٍّ يَتَضَمَّنُ أَعْمَالًا فَنِّيَّةً. هَذَا التَّمَوْضُعُ عَلَى الطَّيْفِ يَمْنَحُ التَّجْرِبَةَ قُوَّتَهَا، إِذْ يَجْمَعُ بَيْنَ قُوَّةِ الْوَثِيقَةِ الْإِخْبَارِيَّةِ وَغِنَى تَجْرِبَةٍ يُمْكِنُ وَصْفُهَا بِالشِّعْرِيَّةِ
.
فَالتَّجْرِبَةُ تُظْهِرُ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ عَمَلِيَّةٌ عَلَائِقِيَّةٌ تَتَشَكَّلُ بَيْنَ الْأَفْرَادِ وَالْمَادَّةِ وَالسِّيَاقِ وَالْجُمْهُورِ. فَالصُّورَةُ فِي مَعْرِضِ نَعْلِينَ لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ "مَا هُوَ إِخْبَارِيٌّ" يُحِيلُنَا إِلَى مَعْلُومَاتٍ قَابِلَةٍ لِلِاسْتِرْجَاعِ، لَقَدْ تَحَوَّلَتْ إِلَى "مَا هُوَ شِعْرِيٌّ". التَّجَاعِيدُ عَلَى الْوَرَقِ الْعَتِيقِ، لَمْسَةُ الضَّوْءِ الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ، تِلْكَ الْبُقْعَةُ غَيْرُ الْوَاضِحَةِ فِي الزَّاوِيَةِ، الصَّمْتُ الَّذِي تَفْرِضُهُ الصُّورَةُ الصَّامِتَةُ، تِلْكَ الْحَافِلَةُ الْقَدِيمَةُ... كُلُّهَا عَنَاصِرُ تُوَلِّدُ "تَجْرِبَةً جَمَالِيَّةً" وَتَصِلُنَا بِذِكْرَيَاتٍ قَدْ تَكُونُ شَخْصِيَّةً جِدًّا.
هَذَا الِانْتِقَالُ مِنَ "الْإِخْبَارِيِّ" إِلَى "الشِّعْرِيِّ" هُوَ مَا يَجْعَلُ مِنَ الْمَعْرِضِ عَمَلًا فَنِّيًّا بِالْمَعْنَى الْكَامِلِ، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ مَعْرِضٍ أَرْشِيفِيٍّ تَقْلِيدِيٍّ. وَرَبْطُ التَّجْرِبَةِ بِيَوْمِ الْأَرْضِ فِي مَكَانِهِ التَّارِيخِيِّ يُسْهِمُ فِي تَعْمِيقِ بُعْدِهَا الرَّمْزِيِّ، وَجَعْلِهَا جُزْءًا مِنْ نَسِيجٍ ثَقَافِيٍّ حَيٍّ وَمُمْتَدٍّ.
رِحْلَةُ التَّعَلُّمِ: مَشْرُوعٌ وَاقِعِيٌّ أَصِيلٌ
يُمْكِنُ قِرَاءَةُ التَّجْرِبَةِ كَرِحْلَةِ تَعَلُّمٍ عَبْرَ مَشْرُوعٍ وَاقِعِيٍّ أَصِيلٍ، مِنِ اسْتِدْعَاءِ الْأَرْشِيفِ الْعَائِلِيِّ، إِلَى الِاسْتِقْصَاءِ وَالتَّأْوِيلِ، إِلَى الْإِنْتَاجِ وَالْعَرْضِ، وُصُولًا إِلَى التَّوْثِيقِ الرَّقْمِيِّ وَإِعَادَةِ إِنْتَاجِ التَّجْرِبَةِ فِي فَضَاءَاتٍ لَاحِقَةٍ. أَسْهَمَتْ هَذِهِ الرِّحْلَةُ فِي إِنْتَاجِ مَعَارِفَ تَارِيخِيَّةٍ وَثَقَافِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ، وَمَهَارَاتِ تَحْلِيلٍ وَاخْتِيَارٍ وَعَرْضٍ وَتَوَاصُلٍ، وَبَثَّتْ قِيَمًا كَالِانْتِمَاءِ وَالتَّعَاوُنِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ، وَبَنَتْ عَلَاقَاتٍ جَدِيدَةً بَيْنَ الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ، وَبَيْنَ الْفَنِّ وَالْمَعْرِفَةِ، وَبَيْنَ فَرِيقِ الْمَعْرِضِ وَمُجْتَمَعِهِ.
مِنَ التَّنْقِيبِ إِلَى الْبِنَاءِ
تُحَاوِرُ تَجْرِبَةُ مَعْرِضِ الصُّوَرِ الْعَائِلِيَّةِ هَذَا تَسَاؤُلَاتِنَا النَّظَرِيَّةَ حَوْلَ مَكَانَةِ الْأَرْشِيفِ فِي الزَّمَنِ الْمُعَاصِرِ. هُنَا يَتَحَوَّلُ الْأَرْشِيفُ مِنْ "شَيْءٍ مَضَى عَلَيْهِ الزَّمَنُ" إِلَى "شَيْءٍ يَمْضِي مَعَ الزَّمَنِ"، وَمِنْ "مَوْقِعِ تَنْقِيبٍ" إِلَى "مَوْقِعِ بِنَاءٍ". لَقَدْ تَحَقَّقَ لَدَى الْمُشَارِكِينَ "الدَّافِعُ الْأَرْشِيفِيُّ"، فَكَانُوا فَنَّانِينَ وَقَيِّمِينَ أَعَادُوا إِنْتَاجَ الْمَعْنَى وَبَنَوْا سَرْدِيَّاتٍ جَدِيدَةً مِنْ رُكَامِ الصُّوَرِ.
جَسَّدَ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةُ وَالْفَتَيَاتُ الِانْتِقَالَ مِنْ سُلْطَةِ "أَمِينِ الْمَحْفُوظَاتِ" الْمُحَايِدِ إِلَى سُلْطَةِ "الْفَنَّانِ/الْقَيِّمِ" الَّذِي يَخْتَارُ وَيَنْحَازُ وَيَبْنِي (Breakell, 2012). وَأَثْبَتُوا أَنَّ الْمَادَّةَ الْأَرْشِيفِيَّةَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ "شِعْرِيَّةً" بِقَدْرِ مَا هِيَ إِخْبَارِيَّةٌ.
وَهَكَذَا، يُعَادُ خَلْقُ الْأَرْشِيفِ عَبْرَ تَفَاعُلٍ حَيٍّ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَذَاكِرَتِهِ وَمُجْتَمَعِهِ، وَيَمْتَدُّ هَذَا الْخَلْقُ مِنَ الْفَضَاءِ الْوَاقِعِيِّ إِلَى الْفَضَاءِ الرَّقْمِيِّ، وَمِنَ الْحَدَثِ الْحَيِّ إِلَى الْخِطَابِ النَّظَرِيِّ. إِنَّهَا نَمُوذَجٌ مُصَغَّرٌ لِمُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ لِلتَّعَلُّمِ، حَيْثُ يُصْبِحُ الْأَرْشِيفُ مَادَّةً حَيَّةً، وَالْفَنُّ مُمَارَسَةً اسْتِقْصَائِيَّةً، وَالْمُتَعَلِّمُ فَاعِلًا أَسَاسِيًّا فِي إِنْتَاجِ مَعْنَى عَالَمِهِ.
مِنَ الْخَاصِّ الشَّخْصِيِّ إِلَى الْعَامِّ الْمُجْتَمَعِيِّ
إِنَّ مَا قَامَ بِهِ الْمُشَارِكُونَ فِي تَجْرِبَةِ نَعْلِينَ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ "مَعْرِضِ صُوَرٍ" بِالْمَعْنَى التَّقْلِيدِيِّ، لَقَدْ كَانَ، فِي جَوْهَرِهِ، شَكْلًا مِنْ أَشْكَالِ الْفَنِّ الْعَامِّ وَفَنِّ الْمُجْتَمَعِ. فَعَبْرَ تَنْظِيمِ الْمَعْرِضِ فِي فَضَاءٍ مَفْتُوحٍ تَحَوَّلَتِ الْقَلْعَةُ إِلَى فَضَاءٍ ذِي دَلَالَةٍ وَمَعْنًى. صَارَ الْفَنُّ الْعَامُّ جِسْرًا يَرْبِطُ بَيْنَ التَّارِيخِ الشَّخْصِيِّ وَالتَّجْرِبَةِ الْجَمَاعِيَّةِ، وَيُحَوِّلُ الْفَضَاءَاتِ الْعُمُومِيَّةَ إِلَى مَوَاقِعَ لِلِّقَاءِ وَالذَّاكِرَةِ.
تَفَاعَلَ أَهْلُ الْمِنْطَقَةِ مَعْ صُوَرٍ كَانَتْ بِالْأَمْسِ فَقَطْ عَلَى الرَّفِّ الْخَاصِّ، فَأَصْبَحَتْ مِلْكًا لِلْجَمِيعِ وَمَوْضُوعًا لِلْحِوَارِ. هَذَا الِانْتِقَالُ مِنَ الْخَاصِّ إِلَى الْعَامِّ هُوَ مَا مَنَحَ الصُّوَرَ قُوَّتَهَا الْجَدِيدَةَ، فَالْفَضَاءُ الْمَفْتُوحُ يُتِيحُ الْفَنَّ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ لَا يَتَرَدَّدُونَ عَادَةً عَلَى الْمَتَاحِفِ أَوِ الصَّالَاتِ الْمُغْلَقَةِ، وَيُوَلِّدُ شُعُورًا بِالِانْتِمَاءِ وَيَخْلُقُ رَوَابِطَ اجْتِمَاعِيَّةً جَدِيدَةً.
عِنْدَمَا يُنَظَّمُ الْأَرْشِيفُ بِشَكْلٍ مَقْصُودٍ فِي مَعْرِضٍ مَفْتُوحٍ، يَتَحَوَّلُ إِلَى "عَمَلٍ فَنِّيٍّ كُلِّيٍّ"، يَعْمَلُ كَعُقْدَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ لِتَبَادُلِ الْحَسَّاسِيَّاتِ وَالْقِيَمِ، وَيُعِيدُ الْحَيَاةَ إِلَى الْأَمَاكِنِ الْحَضَرِيَّةِ. تُؤَكِّدُ تَجْرِبَةُ نَعْلِينَ أَنَّ الْفَنَّ حِينَ يَخْرُجُ مِنَ الْبُيُوتِ إِلَى الْفَضَاءَاتِ الْعَامَّةِ يُصْبِحُ مَشَاعِيًّا وَمُتَاحًا، وَقَادِرًا عَلَى بِنَاءِ مُجْتَمَعَاتٍ أَكْثَرَ تَمَاسُكًا.
كَانَتِ التَّجْرِبَةُ مُحَاوَلَةً لِخَلْقِ فَضَاءَاتِ تَعْبِيرٍ لِفِتْيَةٍ لَا يَمْلِكُونَ فِي الْعَادَةِ أَدَوَاتٍ مُؤَسَّسِيَّةً وَلَا سُلْطَةَ تَمْثِيلِ أَنْفُسِهِمْ فِي الْفَضَاءِ الْعَامِّ. فَعِنْدَمَا يَرَوْنَ صُوَرَ عَائِلَاتِهِمْ مَعْرُوضَةً فِي سَاحَاتِ الْقَلْعَةِ، وَيَشْرَحُونَهَا لِجُمْهُورٍ مُتَنَوِّعٍ، وَيُعِيدُونَ إِنْتَاجَ التَّجْرِبَةِ رَقْمِيًّا، فَإِنَّهُمْ يُوَثِّقُونَ مَاضِيهِمْ وَيُشَرِّعُونَ فِي عَمَلِيَّةِ تَغْيِيرٍ تَمْتَدُّ إِلَى مُسْتَقْبَلِهِمْ. إِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَلِلْآخَرِينَ أَنَّ الْفَنَّ حَاجَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ وَوَسِيلَةٌ لِلْوُجُودِ وَالْمُقَاوَمَةِ وَالْأَمَلِ فِي كُلِّ مَكَانٍ فِي الْعَالَمِ، فَمَا بَالُكُمْ بِفِلَسْطِينَ وَمَا يَجْرِي عَلَى أَرْضِهَا بِعَامَّةٍ، وَمَا يَجْرِي فِي بَلْدَةٍ كَنَعْلِينَ تَعَانِي مِنِ انْتِهَاكَاتِ الِاحْتِلَالِ الْيَوْمِيَّةِ بِخَاصَّةٍ.
يَقُودُنَا هَذَا إِلَى أَسْئِلَةٍ عَدِيدَةٍ، زَمَنُهَا: أَيَّةُ مَرْجِعِيَّاتٍ تُشَكِّلُ سَرْدِيَّتَنَا كَشَعْبٍ؟ هَلْ تَقْتَصِرُ عَلَى السَّرْدِيَّةِ الرَّسْمِيَّةِ وَحْدَهَا أَمْ يَنْبَغِي لِسَرْدِيَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَنْ تَتَحَاوَرَ لِتُشَكِّلَ سَرْدِيَّةً حِوَارِيَّةً مُتَعَدِّدَةَ الْأَصْوَاتِ؟ لَمْ تُقَدِّمْ تَجْرِبَتُنَا إِجَابَاتٍ عَلَى كُلِّ الْأَسْئِلَةِ، لَكِنَّهَا فَتَحَتْ كُوَّةً أَمَامَ الْمُشَارِكِينَ وَالْجُمْهُورِ لِلتَّسَاؤُلِ حَوْلَهَا.
مُفْتَتَحٌ ثَانٍ (بَدَلًا مِنَ الْخَاتِمَةِ)
اخْتَارَتْ أُسْتَاذَتِي دُورُوثِي هِيثْكُوتُ بْرُومِيثْيُوسَ كَأَحَدِ أَبْطَالِهَا فِي أَحَدِ الْبَرَامِجِ التِّلِفِزْيُونِيَّةِ عَنِ الْأَبْطَالِ. بَدَا الْمُذِيعُ مُتَفَاجِئًا: "بْرُومِيثْيُوسُ، جَالِبُ النَّارِ، إِنَّهُ اخْتِيَارٌ أُسْطُورِيٌّ عَظِيمٌ". لَكِنَّ دُورُوثِي انْتَقَلَتْ بِالْحَدِيثِ إِلَى نُقْطَةٍ عَادِيَّةٍ: "الْأَمْرُ يَتَعَلَّقُ بِإِشْعَالِ الْغَازِ، وَوَضْعِ الْغَلَّايَةِ لِصُنْعِ كُوبٍ مِنَ الشَّايِ". ثُمَّ قَالَتِ الْعِبَارَةَ الْجَوْهَرِيَّةَ: "الْأَشْيَاءُ الْعَادِيَّةُ يَجِبُ أَنْ تَظَلَّ عَلَى اتِّصَالٍ مَعَ الِاسْتِثْنَائِيِّ". فَعِنْدَهَا، إِشْعَالُ عُودِ ثُقَابٍ يُصْبِحُ قِطْعَةً مِنَ الشَّمْسِ، وَيُصْبِحُ بْرُومِيثْيُوسُ حَاضِرًا.
لَمْ تَصْعَدْ دُورُوثِي إِلَى الْأُسْطُورَةِ بَحْثًا عَنِ الْبُطُولَةِ. أَتَتْ بِالْأُسْطُورَةِ إِلَى الْمَطْبَخِ. اكْتَشَفَتْ أَنَّ الِاسْتِثْنَائِيَّ أَصْلًا سَاكِنٌ فِي الْعَادِيِّ، يَنْتَظِرُ مَنْ يَلْمِسُهُ.
فِي مَعْرِضِ نَعْلِينَ، الِاسْتِثْنَائِيُّ لَمْ يَأْتِ مِنْ خَارِجِ الصُّوَرِ. كَانَ هُنَاكَ دَائِمًا: فِي تَجَاعِيدِ وَجْهِ عَجُوزٍ، فِي ضَوْءٍ أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ خَافِتٍ، فِي ابْتِسَامَاتِ أُنَاسٍ رَحَلُوا، فِي اتِّكَاءٍ عَلَى حَافِلَةٍ قَدِيمَةٍ، فِي أَثَرِ إِصْبَعٍ عَلَى وَرَقٍ عَتِيقٍ. الْفِتْيَةُ لَمْ يَصْنَعُوا الِاسْتِثْنَائِيَّ، انْتَبَهُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ أَخْرَجُوهُ إِلَى الْعَلَنِ.
رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ مَا كَشَفَتْهُ التَّجْرِبَةُ هُوَ مَا هُوَ مَوْجُودٌ دَاخِلَ الصُّوَرِ نَفْسِهَا، إِنَّمَا مَا كَانَ يَحْدُثُ بَيْنَهَا هُوَ الَّذِي كُشِفَ: بَيْنَ صُورَةٍ وَأُخْرَى، بَيْنَ طِفْلٍ وَجَدَّتِهِ، بَيْنَ الْجِدَارِ وَالْجُمْهُورِ، بَيْنَ الذَّاكِرَةِ الْخَاصَّةِ وَالْفَضَاءِ الْعَامِّ. هُنَاكَ، فِي تِلْكَ الْمَسَافَاتِ الصَّغِيرَةِ، تُولَدُ أَفْكَارٌ وَتَنْبَثِقُ مَعَانٍ. فَالْوَثِيقَةُ كَعَلَامَةٍ تَحْتَاجُ إِلَى قَارِئٍ، وَدُونَهُ لَا "وُجُودَ" فَاعِلَ لَهَا.
هَكَذَا يَسِيرُ الْعَادِيُّ وَالِاسْتِثْنَائِيُّ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ. فَلَا يَحْتَاجُ الْمَرْءُ إِلَى مَتْحَفٍ وَلَا إِلَى وِصَايَةِ خَبِيرٍ لِيَرَى قِطْعَةَ الشَّمْسِ فِي صُورَةٍ عَائِلِيَّةٍ. يَحْتَاجُ فَقَطْ إِلَى مَنْ يَفْتَحُ لَهُ بَابَ الِانْتِبَاهِ. وَهَذَا مَا فَعَلَتْهُ التَّجْرِبَةُ: أَعَادَتْ تَوْزِيعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرُّؤْيَةِ، وَنَقَلَتِ الذَّاكِرَةَ مِنْ حَيِّزِهَا الْمُغْلَقِ إِلَى فَضَائِهَا الْمَفْتُوحِ.
لِهَذَا لَمْ يَكُنِ الْمَعْرِضُ حَدَثًا عَابِرًا. فَالْمُجْتَمَعَاتُ تَحْفَظُ نَفْسَهَا بِقُدْرَتِهَا عَلَى تَحْوِيلِ ذَاكِرَتِهَا إِلَى فِعْلٍ حَيٍّ، وَإِلَى حِوَارٍ مُتَجَدِّدٍ، وَإِلَى شَكْلٍ مِنْ أَشْكَالِ الْوُجُودِ الْمُقَاوِمِ لِلنِّسْيَانِ. صَارَ كُلُّ طِفْلٍ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَقُولَ، مِثْلَ دُورُوثِي: "هَذِهِ الصُّورَةُ؟ فِيهَا قِطْعَةُ شَمْسٍ. بْرُومِيثْيُوسُ الْعَجِيبُ هُوَ مَنْ أَحْضَرَ لِي تِلْكَ الْجَدَّةَ".
***
وَسِيمٌ الْكُرْدِيُّ
شَاعِرٌ وَبَاحِثٌ فِي مَنْهَجِيَّاتِ التَّعْلِيمِ الاستقصائي، مُخْتَصٌّ فِي مَجَالِ الدِّرَامَا فِي التَّعْلِيمِ. يُشْرِفُ حَالِيًّا عَلَى مِنَصَّةِ "تَعْبِيرٍ" الَّتِي بَادَرَ إِلَى إِطْلَاقِهَا فِي الْعَامِ 2024. عَمِلَ مُدِيرًا لِمَرْكَزِ الْبَحْثِ وَالتَّطْوِيرِ التَّرْبَوِيِّ في مُؤَسَّسَةُ عَبْدِ الْمُحْسِنِ الْقَطَّانِ. وَرَئِيسًا لِتَحْرِيرِ مَجَلَّةِ "رُؤًى تَرْبَوِيَّةٍ" وَمُدِيرًا لِتَحْرِيرِ مَجَلَّةِ "الْكَاتِبِ" الْمَقْدِسِيَّةِ. صَدَرَ لَهُ أَرْبَعُ مَجْمُوعَاتٍ شِعْرِيَّةٍ، وَعِدَّةُ كُتُبٍ فِي مَجَالِ الدِّرَامَا فِي التَّعْلِيمِ وَتَدْرِيسِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ. أَلَّفَ الْعَدِيدَ مِنَ الْأَغَانِي. وَكَانَ قَدْ بَادَرَ إِلَى إِنْشَاءِ مَرْكَزِ الْمُعَلِّمِينَ فِي نَعْلِينَ. وَهُوَ مُؤَسِّسٌ لِفِرْقَةِ الْفُنُونِ الشَّعْبِيَّةِ وَمَرْكَزِ الْفَنِّ الشَّعْبِيِّ وساهمَ في إنْشَاءِ لجانِ العَمَلِ الطَوعي.
***
ملحق تعليمي
للمعلمات والمعلمين
ممكنات التعلم في رحلة "معرض الصور العائلية"
ثمة تعلم من نوع خاص لا يحدث داخل حجرات الصفوف المغلقة ولا بين دفتي كتاب. إنه تعلم يتشكل في الفجوات بين الحقول المعرفية، في التقاء التاريخ بالفن، والذاكرة بالجمال، والمهارات العملية بالتأمل الوجودي. هذا التعلم التكاملي العلائقي لا يقسم المعرفة إلى مواد منفصلة (تاريخ هنا، فن هناك، مهارات تواصل في مكان ثالث). إنه يترك المعرفة حية، متدفقة، تتشكل وفق سياقها الحيوي.
في تجربة معرض الصور العائلية في نعلين، اختلط كل شيء: البحث في أدراج البيوت كان بحثاً تاريخياً، ترتيب الصور على الجدار كان عملاً فنياً، شرح المعرض للجمهور كان تمريناً في التواصل، والشعور بالفخر كان خبرة وجودية. لم تكن هذه مجرد أنشطة متتالية، كانت نسيجاً واحداً لا ينفصل. هذا الملحق يتوقف عند ذلك النسيج، عند التحول الذي طرأ على المشاركين، عند المعرفة التي تحققت عبر الفعل الحي، وعند ممكنات التعلم التي فتحتها هذه الرحلة.
يصف النص السابق تجربة معرض الصور العائلية في نعلين: أطفال ويافعون جمعوا صوراً فوتوغرافية قديمة من أدراج عائلاتهم، صنفوها، اختاروا منها، نظموها في معرض أقيم في مدخل القلعة الأثرية بمناسبة يوم الأرض، ثم وقفوا أمام جمهور حقيقي ليشرحوها.
لكي لا تصبح المادة الأرشيفية مادة مغلقة التأويل، محروسة بتراثيتها، مقدسة بخصوصيتها العائلية، لم يكن المعرض فعلاً متحفياً تقليدياً يمتحف الصور الفوتوغرافية. صيرورة المعرض من أولها إلى آخرها كانت تفاعلية وذات طبيعة نقدية. لم يقع المشاركون ولا الجمهور في إسارها. أتاح المعرض مساحة للتأويل والقراءة النقدية. السياق (يوم الأرض، القلعة الأثرية، الفضاء المفتوح)، والوسيط (الصور الفوتوغرافية، ترتيبها، طريقة عرضها)، ومنظور الأشخاص (الأطفال كقيّمين، الجمهور كحاضر فاعل) سمح بهذا التفاعل الذي يكشف طبقات المعنى ويحاورها.
هنا يمكن استحضار ما ذهبت إليه ترين مينه ها، الباحثة والمخرجة الفيتنامية-الأمريكية، في كتابها "امرأة، أصل، آخر". ترى مينه ها أن الحكاية هي المصدر الحقيقي للمعرفة التاريخية والاجتماعية، بعيداً عن صرامة العلم الغربي. في تجربتها مع التقاليد الشفهية في السنغال وغرب أفريقيا، اكتشفت أن الحكمة لا تنفصل عن الحكّاء، وأن المعيار المعرفي الأصيل يدمج الاثنين معاً. تقترح مينه ها مفهوماً سمته "أحكي بالقرب من" ، حيث ترفض أن يتحدث المرء "عن" الآخرين كخبير متعالٍ، وتفضل أن يكون "حكاءة" تتحدث بجانبهم. هذا المفهوم يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمعرفة جذرياً.
في معرض نعلين، لم يتحدث الأطفال "عن" الصور كخبراء منفصلين عنها. لقد حكوا "بالقرب من" الصور، بالقرب من ذكريات عائلاتهم، بالقرب من جمهورهم. كانوا حكّاء وحكماء في آن واحد. الجدات والأجداد، أصحاب الحكمة الأولى، لم يكونوا غائبين؛ حضورهم كان متحققاً عبر الصور التي التقطوها أو التقطت لهم، وعبر القصص التي توارثتها العائلات. الحكاية هنا لم تكن خرافة أو ترفاً، كانت بنية معرفية حية تنتج المعنى وتعيد إنتاجه. بهذا المعنى، حققت التجربة ما تصفه مينه ها: دمج دور الحكّاء بالحكيم، وتحرير المعرفة من سلطة الخبير المنفرد إلى فضاء التشارك والعلائقية.
هذا الملحق يتوقف عمّا هو بعيد عن الأنظار في تلك التجربة: التحول الذي طرأ على المشاركين، والمعرفة التي تحققت عبر الفعل الحي، وممكنات التعلم التي فتحتها هذه الرحلة.
أولاً: التجربة – رحلة معرفية متكاملة
مر المشاركون في التجربة بعدة محطات متصلة:
- اللقاء التمهيدي حول الصورة الفوتوغرافية:
اجتمع الأطفال واليافعون في لقاء حول الصورة الفوتوغرافية وبنيتها الرمزية وقراءتها وتفسيرها وحضورها في سياقات التوثيق للحظات من الحياة وممكنات تأويلها.
- تجربة الاستدعاء (فعل الجمع):
ذهب الأطفال واليافعون إلى بيوتهم، وفتشوا في الأدراج وألبومات الصور القديمة، وطلبوا من الأهل والأجداد. كانت هذه تجربة حفر في الذاكرة الخاصة، ومواجهة مع زمن آخر، واستدعاء لوجوه وأماكن قد لا يعرفونها. على الصعيد النفسي والعاطفي، شعروا بالدهشة ("هذا أبي؟ هذه أمي؟ هذه جدتي؟ هذا جدي شاباً؟ هكذا كان (الباص) من زمان") وبالمسؤولية ("هذه الصورة أمانة بحوزتي الآن").
- تجربة الاختيار والتصنيف (فعل القيّم):
باتت أمامهم كومة من الصور، وعليهم الاختيار للمعرض. واجهوا قرارات صعبة: أي صورة تروي قصة؟ أي صورة تستحق أن تُرى؟ كيف نرتبها؟ كانت هذه ممارسة "سلطة التقييم" لأول مرة: هم من يقررون، وليس الكبار.
- تجربة التأويل وبناء السردية (فعل الفنان/المؤرخ):
بعد الاختيار، بدأ المشاركون بربط الصور ببعضها وبناء قصة للمعرض. كانوا يسألون: ماذا تخبرنا هذه الصور معاً؟ ما الخيط الذي يربطها؟ تحولوا من جامعي صور إلى رواة، ومن مستهلكين للأرشيف إلى منتجين لسردية بصرية.
- تجربة العرض والمواجهة (فعل الفاعل الثقافي):
وقف المشاركون في المعرض، وشرحوا الصور لجمهور حقيقي: أهل، غرباء، كبار، صغار. واجهوا أسئلة الجمهور، ودافعوا عن اختياراتهم، وتلقوا ردود الأفعال. تعلموا أن الكلام أمام الناس صعب وممكن في الوقت نفسه، وأن صوتهم مسموع، وأن ما قدموه مهم للآخرين.
- تجربة التوثيق وإعادة الإنتاج (فعل الأرشيفي الرقمي):
تم تصوير كل مراحل الورشة والمعرض، وإعادة نشرها ومشاركتها. أدرك المشاركون أن التجربة يمكن أن تعيش وتؤثر وتتوسع عبر الوسائط الرقمية، وأنهم أصبحوا جزءاً من تاريخ يصنعونه بأنفسهم.
ثانياً: الخبرة – ما تراكم من مهارات وقدرات واتجاهات
|
المحور |
|
الخبرات المكتسبة |
|
خبرات منهجية (إجرائية) |
|
كيفية جمع المادة الأرشيفية وتصنيفها، كيفية اختيار الصور وفق معايير (جمالية، سردية، تاريخية)، كيفية ترتيب المعرض وتنظيم الفضاء، كيفية التعامل مع الجمهور وشرح العمل |
|
خبرات حسية (جمالية) |
|
تذوق الصورة الفوتوغرافية القديمة (جماليات الأبيض والأسود، التالف، العتيق)، الإحساس بالفرق بين الصورة الأصلية والنسخة والرقمية، اكتشاف جمال "الأثر" و"الندبة" في الوثيقة |
|
خبرات علائقية (اجتماعية) |
|
العمل ضمن فريق لتحقيق هدف مشترك، الحوار مع الأهل وجمع الشهادات حول الصور، مواجهة الجمهور والإجابة عن الأسئلة، تحمل المسؤولية تجاه المجموعة وتجاه تاريخ العائلة |
|
خبرات وجودية (ذاتية) |
|
الشعور بأنهم "يصنعون شيئاً مهماً"، بناء ثقة في قدرتهم على العمل والإبداع، إعادة تعريف علاقتهم ببيتهم وبلدتهم وعائلاتهم |
ثالثاً: المعرفة – المفاهيم والعلاقات والدلالات التي تحققت
- معرفة تاريخية (بالزمن الماضي):
تعرف المشاركون على أحداث وتفاصيل من تاريخ عائلاتهم وبلدة نعلين لم يكونوا يعرفونها. أدركوا أن التاريخ الشخصي مرتبط بالتاريخ الجمعي. أدركوا أن "التاريخ الرسمي" ليس كل التاريخ؛ فهناك تواريخ صغيرة صامتة مهمشة لا تقل أهمية.
- معرفة جمالية (بالزمن الحاضر للتجربة):
ميز المشاركون بين الصورة كوثيقة والصورة كعمل فني. فهموا أن الصورة نفسها يمكن أن تُقرأ إخبارياً أو شعرياً. أدركوا أن الجمال يمكن أن يأتي من الأثر والتلف والغموض. تعرفوا على فكرة التركيب والسينوغرافيا: كيف يغير ترتيب الصور على الجدار معناها.
- معرفة ذاتية (بالذات في الزمن الحاضر):
أدرك بعضهم أن هويتهم ليست مجرد اسم أو مكان سكن، إنها سلسلة من الصور والقصص. أعادوا اكتشاف الانتماء كشبكة من العلاقات والأثر المادي (صور، بيوت، أشخاص). اكتشفوا قدرتهم على التأثير: "أنا قادر على أن أصنع معرضاً، وأنا قادر على أن أقول شيئاً يسمعه الناس".
- معرفة إبستمولوجية (بالمعرفة نفسها):
أدرك المشاركون أن المعرفة تأتي من الكتب والمعلم، وتأتي أيضاً من البحث والجمع والحوار والتأويل والتجربة. أدركوا أن المعرفة ليست نقلاً، إنها بناء. يمكن أن نعرف الأشياء بأن نعيد تركيبها كما نريد. كما أدركوا، في ضوء ما تقترحه ترين مينه ها، أن الحكاية والمعيار الشفهي الأصيل يشكلان مصدراً معرفياً لا يقل قيمة عن المعرفة الأكاديمية الغربية. الحكيم والحكّاء وجهان لعملية معرفية واحدة.
- معرفة أخلاقية (بالعلاقة مع الآخر):
أدرك المشاركون أن المعرفة قوة، والأهم أنها مسؤولية. عندما تعرض صورة لجارتك، أنت مسؤول عن قصتها وعن خصوصيتها. تعلموا أن "الحكي بالقرب من" الآخر يختلف جوهرياً عن "الحكي عن" الآخر. الأول يفتح فضاء للتشارك، والثاني يعيد إنتاج سلطة الخبير.
رابعاً: التعلم – العملية والنتيجة معاً
- تعلم قائم على مشروع حقيقي واقعي:
لم يتعلم المشاركون نظرية الأرشيف. تعلموا عبر حل مشكلة حقيقية: "كيف نحول صور عائلاتنا إلى معرض يليق بيوم الأرض؟". هذا النوع من التعلم يجبر على التكامل بين الجمع والاختيار والتنظيم والعرض والحديث.
- تعلم قائم على المشاركة الكلية:
لم يكن هناك مدرس وطلاب بالمعنى التقليدي. كان المنسقان (يوسف ومحمد) مرافقين ومسهلين، بينما كانت القرارات الجمالية والإخراجية بأيدي المشاركين. النتيجة: تملك كامل للعملية. يمكن لأي طفل أن يقول بفخر: "هذا معرضي".
- تعلم من نوع الاكتشاف:
لم تُعطَ للمشاركين إجابات جاهزة. كانوا يواجهون أسئلة مفتوحة: "أي صورة تختار؟ كيف ترتبها؟ ماذا تقول للجمهور؟". كان التعلم في الفجوة بين السؤال والجواب، حيث يضطر المتعلم للبحث والتجربة والخطأ.
- تعلم متعدد الأنماط:
تعلم المشاركون عبر البصري (النظر إلى الصور وترتيبها)، والحركي (لمس الصور القديمة وتعليقها وترتيب المعرض)، والسمعي (الحوار مع الأهل والجمهور)، والعاطفي (تأثرهم بالصور وفخرهم بالمعرض)، والرقمي (التصوير والنشر عبر وسائط التواصل)، والعلائقي (الحوار مع الجمهور).
- تعلم منتج للمعرفة:
التعلم التقليدي يستهلك المعرفة (يقرأها، يحفظها). هذا التعلم ينتج معرفة جديدة: أنتج المشاركون معرضاً لم يكن موجوداً، وأنتجوا سردية بصرية لم يسبق لأحد أن رواها بهذه الطريقة، وأنتجوا نموذجاً للحكي المعرفي القريب بدلاً من الخطاب السلطوي البعيد.
- تعلم مُحوِّل:
التعلم التحويلي يغير طريقة رؤية المتعلم لنفسه وللعالم. تغيرت صورة الذات: من طفل يذهب إلى مركز ثقافي إلى فنان قيّم مؤرخ صغير. تغيرت صورة العائلة: من مكان للرعاية إلى مكان للذاكرة والتاريخ. تغيرت صورة البلدة: من مكان للسكن إلى فضاء ثقافي وذاكرة حية. تغيرت صورة الماضي: من زمن مضى وولّى إلى مادة حية يمكن العودة إليها واستخدامها للبناء في الحاضر.
- تعلم ممتد بالزمن:
لم ينتهِ التعلم بانتهاء الورشة أو المعرض. استمر عبر الصور الرقمية الموثقة، وعبر الحكي عن التجربة ونقلها للآخرين، وعبر إمكانية إعادة إحياء المعرض أو إنتاج معرض جديد. هذه المقالة نفسها تمثل امتداداً للتعلم، فهي تعيد إطلاق التجربة في فضاء معرفي مختلف.
**
مراجع وهوامش
Breakell, Sue. "Perspectives: Negotiating the Archive", Tate Papers, January 2012.
Foster, Hal. "An Archival Impulse", OCTOBER, Fall 2004.
Heathcote, Dorothy. Heroes, BBC TV, 1986.
Pradipta, Danuh Tyas; Putri, Kiki Rizky Soetisna; Lee, Changkyu. (2020). "When Archives are Presented in the Art Gallery", Proceedings.