إذ شرعتُ بتدوين ملاحظاتي الأولى لهذا المقال، شاهدتُّ مقطعاً قصيراً على التلفاز يعرض مشهداً في غزة. تحركت الكاميرا لترصد واجهة مدمَّرة لإحدى المباني قبل أن تعرض غرفة محاطة بالأنقاض. توقعتُ رؤية جثث بالأكفان، ولكنني رأيتُ مجموعة كبيرة من الأطفال يجلسون ويكتبون على أوراقٍ معهم، تتحرك بينهم شابَّة فلسطينية. كانت مُعلمة تُعلِّمهم وسط المذبحة التي يعيشونها. استغرقني الأمر وقتاً لاستعادة توازني النفسي، قبل أن أكتب عن ذلك من بين الدروس العديدة التي تعلَّمتها من الفلسطينيين.
بدأ ذلك عام 1996 عندما حظيتُ بتسجيل طالبين فلسطينيين في الدورة التأسيسية للماجستير في الدراما في التربية، وذلك ضمن برنامج المدرسة الصيفية الذي كنتُ بصدد تأسيسه. آنذاك كان عندي برامج بدوامٍ كامل وجزئي، ولكني تمكنتُ أخيراً من إقناع الإدارة بتجربة برنامج المدرسة الصيفية. كان وسيم الكردي أحد الطالبَين، ولأن البقية كانوا من بلدان مختلفة، فقد كانت إحدى أنشطتنا المسائية الجلوس معاً والحديث عن بلداننا التي جئنا منها، طبيعة مجتمعاتها، أنظمتها التعليمية وغير ذلك.
بدأ وسيم يُطلعني على حقيقة فلسطين، ومذاك الحين أردتُّ معرفة الكثير. كنتُ قد قرأتُ عن النكبة، ولكن شهادته كانت بدايةً لرواياتٍ عديدة من شهود عيانٍ كثر استمعتُ إليها في السنوات اللاحقة. كانت النكبة أول عمليةٍ للتطهير العرقي طالت الفلسطينيين العرب عام 1948، وذلك عندما هجَّر الإسرائيليون 750 ألف فلسطيني قسراً من أراضيهم وأبعدوهم عن ممتلكاتهم، لتكون أول خطوة جادَّة في تدمير مجتمعهم، ثقافتهم، هويتهم وحقوقهم السياسية.
في عام 1947، قسَّمت الأمم المتحدة فلسطين إلى دولتين منفصلتين: إحداهما فلسطينية والأخرى يهودية. ثم بدأت الدولة اليهودية بتهجير الفلسطينيين من المدن والقرى ذات الأغلبية الفلسطينية في إسرائيل، وذلك في معظمه على يد الميليشيات الصهيونية، ما أسفر عن عشرات المجازر. أفرغت أكثر من خمسمئة قرية ومدينة من سكانها، وأعيد توطين اليهود في العديد منها قبل أن تُسمّى بأسماء عبرية، وسُمِّمت آبار القرى. بحلول نهاية الحرب، سيطرت إسرائيل على 78% من إجمالي مساحة فلسطين الواقعة سابقاً تحت الانتداب البريطاني (انتهى تفكُّك الإمبراطورية العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى بالانتداب البريطاني على فلسطين).
التحق وسيم ببرنامج الماجستير الصيفي، وتخرَّج منه بامتياز عام 2001. بدأ بتقديم الدورات في فلسطين وعمِل لدى مؤسسة عبد المحسن القطان في رام الله، قبل أن يشغل منصب المدير بالإنابة، ثم مديراً لمركز القطان للبحث والتطوير التربوي. آنذاك بقينا على تواصلٍ وطيد، حيث دُعيت لتقديم بعض الدورات في فلسطين بعد تقاعدي عام 2000، لينتهي دوري كمديرٍ للدورات بدوامٍ كامل.
اتَّسمت رحلتي التعليمية في فلسطين بالتطور الكبير. بدأتُ بالإجراءات المرهقة للهجرة في مطار تل أبيب، حيث عوملنا كدخلاء غير مرغوبٍ فيهم لأننا كنا نسافر إلى الضفة الغربية. ثم تعيَّن علينا البحث عن سائق التكسي الذي أرسله وسيم. ولأنه كان فلسطينياً فقد توجب عليه التوقف بعيداً حتى كاد أن يكون خارج نطاق الرؤية، مبتعداً عن الإسرائيليين العابرين من بوابات الوصول، وكأنه كان هو الغريب. ثم انطلقنا في السيارة خارج إسرائيل بمظاهرها الفخمة، حيث رشاشات المياه تروي المروج، والبساتين والحقول الخضراء اليانعة، لنعبر الحدود إلى الضفة الغربية، حيث الطبيعة القاحلة نسبياً. مررنا بنقاط تفتيش إسرائيلية تعيَّن علينا فيها إظهار جوازات سفرنا (رافقتني زوجتي لتقديم تدريبٍ للمعلمين حول التوحُّد). طوال الطريق توالت الدروس التي تعلمتها، ولكن بمجرد دخولنا الضفة الغربية، شعرنا براحةٍ غامرة وبالحُرية المستعادة. ثم استُقبلنا بحفاوة كبيرة في مركز القطان.
كان السيد عبد المحسن القطان، وهو فلسطيني، قد انتقل إلى الكويت، مؤسِّساً شركة مقاولات وتجارة ناجحة، فقرَّر استثمار ربع ثروته لتأسيس المركز وضخ ملايين الدولارات إليه سنوياً. فيما جزءاً من حديثه عن القيم التي يؤمن بها، وغايتي من إيراد ذلك هي مشاركة القيم الإنسانية المتمثلة في عمله، ومقارنتها بقيم نتنياهو الذي لا يعرف سوى القتل والسعي خلف مصالحه الشخصية:
"وآمنا، منذ البداية، أن الإنسان الحر هو القادر على الشك والإبداع، وهو الذي لا يخشى التجديد والمغامرة؛ وأنه لا يمكننا مواجهة واقع الحرب والجهل والاستبداد دون امتلاك المكونات الأساسية لذلك: الفرد المبدع المتنور والخلاق الذي يصنع المجتمع المنفتح والحيوي والمبادر" (عبد المحسن القطان 1929 - 2017).
كنتُ، وما أزال، مدفوعاً بقيم المركز، لذلك وضعتُ مقتطفاتٍ من الموقع الإلكتروني الخاص به أدناه، فهي دروسٌ لنا جميعاً، مهما كانت البلاد التي جئنا منها، كما أنها النقيض لسياسة دولة إسرائيل الحالية، والتي تصرُّ على تدمير كلِّ مبنى في غزة وقتل كلِّ فلسطيني فيها، الأمر المشابه لما تفعله في الضفة الغربية. فيما يلي مقتطفات مهمة خاصة بالموقع الإلكتروني للمركز:
بدأت رحلتني في فلسطين عام 1998 (رقم QR-0035-F)، حيث كرَّسنا جهودنا لخدمة الثقافة، التعليم والفنون في فلسطين والعالم العربي. مهمَّتنا هي خلق بيئة حيَّة ومُثرية لإنتاج المعرفة، ودعم مجتمعٍ يؤمن بالحرية، الحوار المفتوح والتقدير العميق للعلوم والفنون والآداب، فهذه الرؤية راسخة بعمق في السياق الفلسطيني العربي المتنوع والمعقد في آن.
ما تزال مؤسسة القطان ملتزمة بمهامها، وساعية لإثراء المشهد الثقافي والتعليمي في فلسطين والعالم العربي، وتمكين الأفراد من المشاركة والتعلُّم والإبداع والنموِّ.
قيمنا:
1- تقدير الإنسان والدفاع عن حقوقه وكرامته.
2- الحرية، التعددية، الحوار وإنتاج المعرفة.
3- تقدير قيمة العمل بروح الزمالة وتثمين الإنتاج.
4- الجرأة بالحق[1].
لقد لمست هذه القيم قلبي (للاطلاع على التفاصيل، يرجى زيارة الموقع الإلكتروني)، لماذا ما تزال عينيَّ تدمعان كلما قرأتها؟ ربما لأنها علمتني أنَّه في هذا المكان، في هذا الجزء من العالم الواقع تحت وطأة الاستعمار الجديد والاستغلال، هناك أناس مصمِّمون على التمسُّك بإنسانيتهم والكفاح لتحقيق هذه القيم من أجل الشباب الصاعد. الدرس الذي تعلمته منها هو أنه مهما اشتدت الصعاب، لا تستسلم يوماً، بل تابع كفاحك.
استُقبلتُ بحفاوة آنذاك وعملتُ في أول مركزٍ للقطان في رام الله، وكان ذلك في مبنى أقدم.
حتى خلال القصف المروِّع لغزة، واصل موظفو مركز القطان في غزة عقد اجتماعاتهم وورش العمل التدريبية للمعلمين، واستمرَّ تعليم الأطفال في هذه الظروف الصعبة للغاية. للأسف قُتل بعضهم، بينما واصل آخرون العمل رغم المعاناة. ظلَّ أحد المُعلمين المتدربين في المركز محاصراً تحت أنقاض منزله لتسع ساعاتٍ بعد قصفه، خرج حياً كطائر الفينيق، وعاد في اليوم التالي لمواصلة تعليمه الأطفال، كما قام بالعديد من المبادرات، وما تزال روحه وعزيمته، كزملائه، حاضرة حتى اليوم.
ولكن بعد ذلك دمَّر القصف الإسرائيلي المركز كاملاً في غزة.
يكاد يكون من المستحيل التصديق أنه بين الرابع عشر والخامس عشر من نيسان لهذا العام (2025)، عُقد مؤتمرٌ في قطر للبدء في إعادة بناء قطاع التعليم العالي في غزة، وذلك بعد تدمير ما يقارب من 90% من البنية التحتية الجامعية وضياع ثلاث سنواتٍ دراسية على الطلبة، ومقتل حوالي 140 من العاملين في هذا المجال. أشعر بالتواضع الكبير أمام روح المقاومة الفلسطينية.
عندما كنتُ أدرِّس في مركز القطان الأول، كان هناك مبنى جديدٌ للمركز يُقام على إحدى التلال في رام الله، ليكون منارة الأمل ورمز التفاؤل، وقد أسِّس على يد عبد المحسن القطان بتكلفة تقارب 21 مليون دولار، وافتُتح عام 2019، بعد عامين من وفاته.
كان السيد القطان أول مُحسنٍ حقيقيٍّ تعرفتُ إليه عن قرب، كما دُعيت لمقابلته وزوجته ليلى في منزلهما في لندن، فوجدته إنساناً متواضعاً وشديد العطف. آنذاك تعلمتُ حتى امتلأتُ بالدروس من الفلسطينيين.
ثمَّ حظيتُ بدعوةٍ لتقديم دوراتٍ في المؤسسة لسنوات عديدة، وفي كلِّ مرة كنتُ أتعلم أكثر بكثير ممَّا أعلِّم. أورد لكم أدناه أمثلة على ذلك:
· في أثناء تناولي وجبةً مع المُعلمين بعد إحدى دوراتي، سألتني امرأة أن أمرِّر لها إبريق الماء، ولأنه كان أقرب إليها مني، تساءلتُ للحظة عن ذلك، فقالت ببساطة: "معذرةً، فقد أصبتُ برصاصة في ذراعي في أثناء إحدى المسيرات". كان ذلك السبب، وعُدَّ أمراً طبيعياً.
الدرس: لا تبالغ فيما حدث، واصل السعي.
· مُترجمي الرائع (كفاح فني)، والذي صار صديقي، اعتُقل واستُجوب مرات عديدة. في الواقع، نادراً ما قابلتُ رجلاً لم يُعتقل لكونه فلسطينياً يناضل لنيل حقوقه.
الدرس: خلف الصورة الناعمة والودودة هناك صلابة داخلية متينة.
· أخبرني معلمٌ أنه أعاد تأهيل نفسه مؤخراً (كان آنذاك في أواخر الأربعينات أو أوائل الخمسينات من عمره)، فقد كان في طريقه إلى يومه الأول في التدريس عندما هاجمته مجموعة من المستوطنين الإسرائيليين. ضربوه ضرباً مبرحاً كاد يودي بحياته، وقضى شهوراً في المستشفى. والآن يحضر دورتي التدريبية مستئنفاً مسيرته المهنية، والتي أراد البدء بها قبل أشهر.
الدرس: كيفية مشاركة المآسي الشخصية المروِّعة والبشعة بصورة لا تستجدي أيَّ تعاطفٍ أو شفقة، بل لمجرد السرد البسيط لما حدث.
· تأخرت مُعلمة عن إحدى دوراتي الدراسية، فوصلت عند الحادية عشر تقريباً بدلاً من التاسعة. آنذاك حضرتْ إليَّ فور انتهاء استراحة الغداء، واعتذرت بشدَّة عن تأخرها. أخبرتني أنها أوقِفت عند نقطة تفتيش إسرائيلية عند خروجها من المدينة، وضايقها جنود إسرائيليون لم يتجاوزوا العشرين من عمرهم. لم تكن ترتدي الحجاب التقليدي، وكانت تضع المكياج. لم يصدِّق الجنود أنها معلمة متجهة إلى دورة تدريبية لها، بل زعموا أنها عاهرة في طريقها إلى زبائنها. رفضوا السماح لها بمغادرة المدينة، وأجبروها على العودة. فاضطرت إلى قطع مسافة طويلة بالسيارة، عابرة التلال والطرق الوعرة للوصول إلى المركز. كانت تبكي، وطفلاها في المقعد الخلفي قلقين عليها، سألاها عمَّا حدث، فأخبرتهما أنها مريضة.
الدرس: احمِ أطفالك قدر استطاعتك، فعندما يكبرون سيعرفون الواقع الذي يعيشونه على حقيقته.
· في إحدى المرات نهضت مُعلمة فجأة وهرعت خارج القاعة في إحدى دوراتي الصيفية، ظننتُ أنها كانت في حاجة ماسَّة إلى دورة المياه، ولكن مُعلمين آخرين أخبروني أنها تلقت للتو خبراً بأن زوجها على وشك الاتصال بها. كان قد قضى سنواتٍ في السجن إثر معارضته، وقد امتلك هاتفاً مهرَّباً، وحظيَ بلحظة وجيزة لا يكون فيها مراقباً، سيتمكن من الاتصال بها فيها. صعُب عليَّ تصوُّر كيف كانت مكالمتهما، كان ذلك جزءاً من الحياة "الطبيعية".
الدرس: لا تتصوَّر أنَّ بوسعك معرفة ما يدور في ذهن المقابل لك، ولا تظنَّ أن مشاكلك اليومية تُقارن بما يمرُّ به الآخرون.
· اختُطف مُعلم من منزله في ساعات الصباح الباكر على يد جنود إسرائيليين، وذلك بعد أن أطلق أحد جيرانه النار تجاه الوجود الإسرائيلي غير الشرعيِّ في المنطقة. اعتُقل عشوائياً واقتيد سيراً فوق الحجارة الحادَّة ليُقتل. توسَّل إليهم أن يسمحوا له بارتداء حذائه بعد أن نزفت قدماه، كان يريد بذلك توديع زوجته وأطفاله. ربما كانت هذه اللفتة الإنسانية البسيطة، أي السماح له بارتداء حذائه، قد أنقذته من الرصاصة القاتلة، فقد اكتفوا بضربه وتركه وحيداً. كان والداه لاجئين إثر النكبة.
الدرس: تعلمتُ الحبَّ، القوة والترابط اللازم للحفاظ على تماسُك الأسرة، لم أكن لأدرك المعاناة التي مرَّت بها العائلة عندما التقيتُ بها.
يمكنني الإسهاب في الحديث عن اللحظات والتجارب التي تعلمتُ منها، ففي كل زيارة، كنتُ أتعلم يومياً من الفلسطينيين.
بعد تجارب عديدة ورائعة في إدارة الدورات التدريبية، والتي عجَّت بالمُعلمين المتحمسين للتعلم والمشاركة والتعليم، اقترحتُ على وسيم إنشاء مدرسة صيفية للدراما. كان آنذاك مديراً لأحد مراكز مؤسسة القطان، وله الفضل الكبير في تبنيه الفكرة فوراً، لا سيما بقيادته المُميزة للعمل. كانت الدورة برنامج دبلومٍ مدَّته ثلاث سنوات، يتضمن مدرسة صيفية لأسبوعين، ودعماً للطلبة طوال العام من مُعلمي الدورة. صممتُ المنهج. وكان لا بدَّ من عقد الدورة في مدينة جرش في الأردن، لأنها مخصصة لجميع الفلسطينيين، ولم يكن يُسمح للاجئين الفلسطينيين المقيمين في الخارج بالعودة إلى فلسطين. عبر المعلمون الفلسطينيون إلى الأردن عبر جسر اللنبي، وبدأنا الدورة عام 2007، ثم أضفنا دفعاتٍ جديدة خلال السنوات اللاحقة. وإذ اكتمل البرنامج كان هناك أكثر من مئة طالب مستفيد منه في كل دورة صيفية. تكفَّلت مؤسسة القطان برسوم الطلبة، سفرهم وإقامتهم. انضمَّ إلى فريق التعليم كوستاس أيموروبولُس وتولَّى وسيم تعليم إحدى الدفعات. في إحدى السنوات انضمَّ إلينا معلِّمو دراما من إنجلترا (أعضاء في الرابطة الوطنية لمُعلمي الدراما) واليونان لتقديم خبراتهم.
كنتُ موقناً بضرورة أن يكون مدير الدورة فلسطينياً، أيَّدني بذلك وسيم وتولى الإدارة عام 2010. استمرَّت الدورة حتى عام 2019 وتخرَّج منها مئات المعلمين بشهاداتهم الدبلوم.
سألني مدير مؤسسة القطان عمَّا إن كان بوسعي ترشيح شخصٍ قادرٍ على تبني أساليب تدريس مبتكرة في المنهاج، فاقترحتُ فوراً لوك أبوت ليعلِّم منهج "عباءة الخبير" لدوروثي هيثكون[2]. دعونا لوك فبدأ التعليم بين العامين 2013 و2014، انضمَّ إليه ريتشارد كيران عام 2016.
أما أنا فقد دُعيت لإدارة حلقة بحثية عام 2011، ومنها ظهرت مجموعة صغيرة من المُعلمين الذين يُمكن أن يصبحوا قادةً في الدراما في التربية الفلسطينية. أخبرني أحدهم، وكان معلِّماً موهوباً جداً، أنه لم يعد قادراً على إعالة أسرته براتبه المتواضع، فقرر السفر إلى الخارج للعيش والعمل مع أحد أقاربه. تصورتُ أنه سيضطر للعمل بصورة غير شرعية (لم يخبرني بذلك صراحةً، ولكن خطر ذلك ببالي). فتحدثتُ إلى وسيم واقترحتُ عليه أن يصبح هذا المُعلم مديراً للمجموعة، وإن كان بوسع المؤسسة أن تدفع له مكافأة رمزية منتظمة تبقيه في فلسطين.
وكما المعتاد، أظهر وسيم فوراً إيمانه بقيمه الإنسانية الرفيعة ووافق على مقترحي. درَّستُ هذه المجموعة الصغيرة من المُعلمين لسنوات عديدة، أصبح اثنين منها مُعلمين بدوامٍ كامل في المؤسسة. ومن جديد، تحققت مكاسب صغيرة ولكنها بالغة الأهمية، فقد كان المُعلم الذي أنقذناه من السفر من بين الذين انضمُّوا للعمل بدوام كامل، اسمه معتصم الأطرش، وهو الذي طلب العودة إلى منزله ليرتدي حذاءه ويودع عائلته. اليوم يُدير مُعتصم برنامجاً صيفياً أصغر في مؤسسة القطان في رام الله، حيث يتناوب المُعلمون بين التركيز على الدراما العملية وأسلوب "عباءة الخبير". كان طالباً في السنة الأولى من البرنامج الصيفي، والآن يُدير نسخة منه. واصل المُعلمون تدريس الدراما وتطوير أساليبهم حتى اليوم كأسلوب تعليمي مُهم في المؤسسة.
درس آخر أستفيده: لا تستهِن يوماً برغبة الفلسطينيين في التعلُّم والتطوير.
ماذا عن وسيم؟ كانت الدورة الصيفية لعام 2019 الأخيرة له في مدينة جرش، فقد أنهى التزامه المهني من المركز عام 2020، ومذاك الحين واصل عمله في مجالات عديدة: فقد أسَّس المنصة الرقمية "تعبير" (www.tabeer.ps)، صمَّم خمسة وأربعين وحدة تعليمية تفاعلية تُركز على التعبير الإبداعي، موظِّفاً مختلف الفنون كمصدر إلهامٍ لتشجيع الأطفال، الشباب والشابَّات على الكتابة، عمِل عضواً في هيئة تحريرٍ لكتابين من منشورات روتليدج حول الفنون والتنمية العالمية، وحول الفنِّ كمنهج بحثي، واليوم يدرِّب حوالي 120 معلِّماً من وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، ويعمل بين الحين والآخر مع مُعلمين في مدارس فلسطينية وأردنية وغيرها. لم يتوقف يوماً عن العطاء. وفي أوقات فراغه يكتب الشعر، كما ألف عرضاً موسيقياً راقصاً ضخماً لإحدى الفرق الفلسطينية للفنون الشعبية.
يا للرحلة التي خاضها! ما يزال اليوم يعمل وسط الدمار الذي يلحق بغزة والضفة الغربية.
الدرس الأخير الذي تعلمته: لا تستهِن يوماً بعزيمة الفلسطينيين وإنسانيتهم، ورغبتهم بالتعلم وشغفهم الكبير فيه وكرمهم في العطاء.
أما مبادرة الدراما التي انطلقت منذ سنوات فما زالت قائمة ونشطة، إلى جانب العديد من المبادرات التعليمية التي تقودها المؤسسة.
هذه نبذة مختصرة عن رحلتي إلى المدرسة الصيفية، وبعض الدروس التي تعلمتها من الفلسطينيين خلالها. واليوم، مع تعرض كل ما هو قائم للهجوم والتدمير، ومقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، لا يسعني إلا أن أعجب بشجاعة تلك المُعلمة الشابة، وسط أنقاض إحدى المباني المدمرة في غزة، وهي تتنقل بين الأطفال لمساعدتهم على التعلُّم. كما أقدِّر تلك المُعلمة الناجية من الموت بأعجوبة من تحت الأنقاض، والتي عادت فوراً إلى العمل مع الشباب والشابات. فكما الأطباء والممرضون، عمَّال الإنقاذ ورجال الإطفاء، الصحفيون وعمَّال الإغاثة أبطالاً لغزة، فكذلك المُعلمين.
هذه كلُّها دروس عظيمة نتعلمها جميعاً من الفلسطينيين.
تترجم المقالة وتنشر هنا بالاتفاق مع مجلة
The Journal for Drama in Education Journal
Palestine Lessons (My journey to the Al-Qattan Summer School and beyond) David Davis
Volume 40, Issue 1 - Autumn 2025 – I SSN 1476 – 9395
عن الكاتب
ديفيد ديفيس
أستاذ دراما التعليم في جامعة وسط إنجلترا. شغل منصب مدير المركز الدولي لدراسات دراما التعليم، كما كان قائد المسار الدراسي لكل من برنامج الماجستير في دراما التعليم، وبرنامجي الشهادة والدبلوم في الجامعة نفسها. عمل قبل ذلك لسنوات عديدة مديرًا لمسار تأهيل التدريس الأولي (PGCE) في دراما التعليم، الذي كان يُعدّ مختصين في الدراما للمدارس الثانوية. درّس مادة الدراما في المدارس الثانوية لمدة 15 عامًا. قدّم ورش عمل في العديد من أنحاء العالم، وله منشورات واسعة، وآخرها كتابه "تخيل الواقعي: نحو نظرية جديدة للدراما في التعليم. وقد تطوع في إدارة المدرسة الصيفية: الدراما في سياق تعلمي أكاديميا في سنواتها الأولى. المدرسة التي كانت ضمن برنامج الدراما في التربية الذي أنشأه برنامج البحث والتطوير التربوي في مؤسسة عبد المحسن القطان وقاد الحلقة البحثية فيها في المجال نفسه لسنوات عدة.
عن المترجمة
غلاء سمير أنس:
مترجمة كتب ومؤلِّفة من فلسطين. صدرت لها أكثر من ثلاثين ترجمة، وثلاثة أعمال أدبية، آخرها كتاب "وكأنَّ اللغة تشفق على نفسها".